الكتاب: المكي والمدني في القرآن الكريم
دراسة تأصيلية نقدية للسور والآيات، من أول القرآن الكريم إلى نهاية سورة الإسراء
المؤلف: عبد الرزاق حسين أحمد
الناشر: دار ابن عفان للنشر والتوزيع - مصر
الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م
عدد الصفحات: 993
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(سورة النحل مكية)
لم يختلف جمهور أهل العلم في مكية سورة النحل انظر رأي الجمهور في: النكت والعيون (۳/ ۱۷۷)، المحرر الوجيز (۱۰/ ۱٥۷)، مصاعد النظر (۲/ ۲۷۰)، البصائر (۱/ ۲۷۸)، التحرير والتنوير (۱٤/ ۹۳). اللهم إلا ما روي عن قتادة من القول بمدنية هذه السورة أخرجه الحارث المحاسبي في فهم القرآن (ص: ۳۹٥) من طريق سفيان عن معمر عن قتادة، وابن الأنباري كما في تفسير القرطبي (۱/ ٦۱ - ٦۲) من طريق حجاج بن المنهال عن همام عن قتادة..
وحكى الأصم ¬هو أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف، توفي -رحمه الله- سنة (۳٤٦ هـ).
ترجمته: السير (۱٥/ ٤٥۲ - ٤٦۰)، الوافي بالوفيات (٥/ ۲۲۳).¥ عن بعض أهل العلم مثل قول قتادة انظر: غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري (۱٤/ ٤۳).، كما روي عن قتادة أيضًا وجابر بن زيد أنهما يقولان: إن أول السورة إلى الآية الأربعين مكي، وما بعدها إلى آخر السورة مدني انظر: البيان للداني (ص: ۱۳٦)، مصاعد النظر (۲/ ۲۰۹)، البصائر (۱/ ۲۷۸)، روح المعاني (۱٤/ ۸۹ - ۹۰)، التحرير والتنوير (۱٤/ ۹۳)..
والحق أن القول القائل بمدنية سورة النحل قول مخالف لما عليه جمهور أهل العلم، وهو قول شاذ لا ينبغي أن يلتفت إليه.
وأما ما روي عن قتادة في روايته الثانية وجابر بن زيد من أن أول السورة إلى الآية الأربعين مكي، وما بعدها مدني فيناقضه أمور، وهي على النحو التالي:
أولًا: حديث عثمان بن مظعون الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده فيه تصريح بأن الآية رقم (۹۰) كانت مقروءة لدى النبي - صلى الله عليه وسلم - في العهد المكي ونصه كما يلي: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر قال حدثنا عبد الحميد حدثنا شهر حدثنا عبد الله بن عباس قال "بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بفناء بيته بمكة جالس إذ مر به عثمان بن مظعون فكشر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ألا تجلس؟ قال: بلى، قال: فجلس رسول الله -صلى اللّه عليه وسلم- مستقبله فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببصره إلى السماء فنظر ساعة إلى السماء فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض فتحرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره وأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له وابن مظعون ينظر فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له شخص بصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى قال: يا محمد فيم كنت أجالسك وآتيك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة قال وما رأيتني فعلت قال رأيتك تشخص ببصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك فتحرفت إليه وتركتني فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئًا يقال لك قال وفطنت لذاك قال عثمان نعم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتاني رسول الله آنفا وأنت جالس قال رسول الله قال نعم قال فما قال لك؟ قال: {إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قالَ عثمان فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدًا" ¬المسند (٤/ ۳۲۹ - ۳۳۱) برقم (۲۹۲۲) طبعة أحمد شاكر، والحديث حسنه الحافظ ابن كثير فقال: "وقد ورد في نزول هذه الآية الكريمة حديث حسن"، ثم ذكر فقال: "إسناد جيد متصل حسن قد بين فيه السماع المتصل". تفسير ابن كثير (۲/ ٦۰٤).
وقال الهيثمي: "رواه أحمد وإسناده حسن". المجمع (۷/ ٥۲).
وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند. انظر: (٤/ ۳۲۹).
وقد يقول قائل: كيف يتم تحسين هذا الحديث وفيه شهر بن حوشب المعروف بضعفه؟
والجواب على هذا السؤال كما ذكره الإمام أحمد: "لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر".
تهذيب الكمال (۱٦/ ٤۱۱).¥.
ثانيًا: قد ورد عن ابن عباس بأسانيد صحيحة نزول خواتيم النحل بمكة، كما ورد عنه القول بمدنيتهن، فإطلاق أن ما بعد الآية الأربعين مدني تحكم بلا دليل.
ثالثًا: وعلى فرض تسليم أن أربعين آية من أول السورة مكي، وما بعدها مدني، فإن من الملاحظ أن هذا القول يستلزم عليه أن تكون سورة النحل مدنية بناء على المعيار الذي وضعه جمهور أهل العلم في وصف السورة بأنها مكية أو مدنية ¬ما الذي يُقصد بوصف السورة بأنها مكية أو مدنية؟
هل هي بأجمعها، أو أن المراد بعض السورة، أو العبرة بالغالب؟ إذ قد يكون في السورة المكية بعض آيات مدنية، وفي السورة المدنية بعض آيات مكية.
والجواب على هذا السؤال نقول: إن هذا وصف بحسب أكثر الآيات التي تغلب على السورة، قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- من أن سورة النساء مكية بدعوى أن قوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} الآية، سورة النساء، الآية (٥۸)، نزل في مكة، قال: "فلا يلزم من نزول آية أو آيات من سورة طويلة بمكة إذا نزل معظمها بالمدينة أن تكون مكية، بل الأرجح أن جميع ما نزل بعد الهجرة معدود من المدني"، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (۸/ ٦٥٦).¥.
يضاف إلى ذلك أن جابر بن زيد القائل بهذا القول لا يرى مدنية سورة النحل كما أورد أبو عمرو الداني روايته في ترتيب السور المكية والمدنية انظر: البيان للداني (ص: ۱۳٥ - ۱۳٦)..
الروايات الدالة على مكية سورة النحل
۱ - أخرج ابن الضريس من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس فذكر فيما نزل بمكة وما أنزل بالمدينة، وسورة النحل من القسم المكي انظر: فضائل القرآن لابن الضريس (ص: ۳٤)..
۲ - وأخرج النحاس من طريق أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس قال: "وسورة النحل نزلت بمكة فهي مكية، سوى ثلاث آيات من آخرها فإنهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحد ... "الناسخ والمنسوخ للنحاس (۲/ ٤۸٤)..
۳ - وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: " نزلت سورة النحل بمكة"الدر (٥/ ۱۰۷)..
٤ - وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: "نزلت سورة النحل بمكة"الدر (٥/ ۱۰۷)..
٥ - وأخرج البيهقي من طريق علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة والحسن بن أبى الحسن فذكرا السور المكية والمدنية، وسورة النحل من القسم المكي انظر: دلائل النبوة (۷/ ۱٤۲ - ۱٤۳)..
٦ - وأخرج ابن الأنباري من طريق حجاج بن منهال عن همام عن قتادة، فذكر السور المدنية، وقال في القسم المكي: "وسائر ذلك نزل بمكة"، ومنها سورة النحل انظر: تفسير القرطبي (۱/ ٦۱ - ٦۲)..
۷ - وأخرج أبو عبيد من طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، فذكر السور المدنية، وقال في القسم المكي: "وسائر ذلك بمكة"انظر: فضائل القرآن لأبي عبيد (ص: ۳٤۰) برقم (۷۹٦)..
۸ - وأورد الزهري ترتيب السور المكية والمدنية، وسورة النحل ضمن القسم المكي انظر: تنزيل القرآن (ص: ۲۸)..
۹ - وأخرج أبو عمرو الداني من طريق أحمد بن موسى عن يحيى بن سلام البصري عن أئمته أن سورة النحل مكية ينظر: البيان للداني (ص: ۱۷٥)..
۱۰ - وعدد أبو القاسم النيسابوري السور المكية والمدنية، وسورة النحل معدودة من القسم المدني ينظر: التنزيل وترتيبه (۲۲۳ ق/ أ)..
۱۱ - وقال ابن شيطا في روايته للمكي والمدني بعد أن أورد السور المدنية: "وباقى سور القرآن الخمس والثمانون مكية"، ومنها سورة النحل ينظر: فنون الأفنان (ص: ۳۳۷ - ۳۳۸)..
الآيات المدعى مدنيتها في سورة النحل
في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤۱)} سورة النحل الآية (٤۱)..
جزم مقاتل بن سليمان - رحمه الله - بمدنية هذه الآية، ينظر: تفسير مقاتل (۲/ ٥۸). كما لا يخفى علينا أن قتادة وجابر بن زيد يريان مدنية الآية بناءً على مذهبهم القائل: إن هذه الآية إلى آخر السورة مدنيّ. روي عن قتادة وجابر بن زيد أنهما يقولان: إن أول السورة إلى الآية الأربعين مكي، وما بعدها إلى آخر السورة مدني، انظر: البيان للداني (ص: ۱۳٦)، مصاعد النظر (۲/ ۲۰۹)، البصائر (۱/ ۲۷۸)، روح المعاني (۱٤/ ۸۹ - ۹۰)، التحرير والتنوير (۱٤/ ۹۳).
مستند القول بمدنية هذه الآية:
يستند القول بمدنية هذه الآية إلى دليلين، وهما:
الدليل الأول: ما روي من أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين في مكة ظلمهم المشركون، فهاجروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة بعد ما لحق بهم الأذى، أخرج الطبري في تفسيره من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، قوله: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ} الآية، قال: "هم قوم هاجروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ظُلْمِهِم وظَلَمَهم المشركون"تفسير الطبري (۱٤/ ۱۰۷)، ما أخرجه الطبري من طريق عطية العوفي عن ابن عباس مختصراً، وإسناده ضعيف. انظر: تفسير الطبري (۱٤/ ٥۱۲ برقم ۱۷۳۳۱)..
وذكر القرطبي - رحمه الله - أن الكلبيّ صرّح بأسماء هؤلاء فقال - أي القرطبي - "نزلت في صهيب، وبلال، وخباب، وعمّار، عذبهم أهل مكة حتَّى قالوا لهم ما أرادوا، فلما خلوهم هاجروا إلى المدينة قاله الكلبيّ" ¬تفسير القرطبي (۱۰/ ۱۰۷) والكلبي متروك.
قال الذهبي في ترجمته: "كان رأسًا في الأنساب إلا أنه شيعيّ متروك الحديث". السير (٦/ ۲٤۸).
وقال أبو حاتم الرازي: "الناس مجمعون على ترك حديثه لا يشتغل به". الجرح (۷/ ۲۷۰).¥.
الدليل الثاني: ما روي أيضًا من أن سبب نزول الآية هو قصة أبى جندل بن سهيل بن عمرو ¬وأبو جندل بن سهيل بن عمرو صحابي قرشي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل فراغ كتاب الحديبية، وقد كان من ضمن الشروط التي اشترط بها سهيل بن عمرو أنه قال: لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فردّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا جندل بن سهيل يومئذ إلى أبيه، واستشهد أبو جندل باليمامة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة.
ترجمته: الإصابة (٤/ ۳٤).¥. فقد أخرج الطبري في تفسيره أيضًا من طريق عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن داود بن أبي هند. قال: " (نزلت {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ} إلى قوله {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} في أبى جندل بن سهيل"تفسير الطبري (۱٤/ ۱۰۷) وإسناده معضل..
مناقشة هذا المستند:
مناقشة الدليل الأول: ومع أن إسناد العوفيين مسلسل بالضعفاء كما هو معروف، فإن القول الصحيح عند جهور أهل العلم هو أن هذه الآية نزلت في مهاجري الحبشة، وإن كانت تتناول من حيث المعنى مهاجري المدينة، ومن هنا قال ابن عطية - رحمه الله - بعد أن ضعف الأقوال القائلة: إنها نزلت في الذين بقوا في مكة ثم هاجروا إلى المدينة، أو نزلت في أبي جندل بن سهيل "وعلى كل قول فالآية تتناول بالمعنى كل من هاجر أولًا وآخرًا"المحرر الوجيز: (۱۰/ ۱۸۷)..
وقال ابن عطية أيضًا مبينًا أن الصحيح عند جمهور أهل العلم هو نزول هذه الآية في مهاجري الحبشة "لما ذكر الله تعالى كفار مكة الذين أقسموا أن الله لا يبعث من يموت وردّ على قولهم، ذكر مؤمني مكة المعاصرين لهم، وهم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح في سبب الآية؛ لأن هجرة المدينة لم تكن وقت نزول الآية"المحرر الوجيز (۱۰/ ۱۸٦)..
والعجيب أن قتادة الذي كان يرى مدنية هذه الآية إلى آخر السورة نجده يُرْوَي عنه بإسناد حسن أن الآية تعني في شأن مهاجري الحبشة، فقد أخرج الطبري في تفسيره من طريق يزيد بن زريع عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة، قوله: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي الله} الآية، قال: "هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم حتَّى لحق طوائف منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة، وحعل لهم أنصارًا من المؤمنين" ¬تفسير الطبري (۱٤/ ۱۰۷)، يزيد بن زريع: أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، توفي -رحمه الله- سنة (۱۸۲ هـ)، انظر: التقريب (۱/ ۳٦٤).
سعيد: بن أبى عروبة بن مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة حافظ صاحب تصانيف لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة، روى له الجماعة"، انظر: التقريب (۱/ ۳۰۲).
الجواب عن تدليس سعيد ابن أبى عروبة:
إن تدليس سعيد بن أبى عروبة من التدليس الذي احتمله الأئمة وقبلوه، وأخرجوا له في الصحيح، فهو من تدليس الطبقة الثانية كالثوري وابن عيينة، هكذا أورده الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في " تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس"، انظر (ص: ٦۳).
الجواب عن اختلاطه بالنسبة للروايات التي رواها يزيد بن زريع:
إن سماع يزيد بن زريع عن سعيد بن أبى عروبة كان قبل الاختلاط، والدليل على ذلك ما ذكره ابن حبان -رحمه الله- في الثقات حيث قال في ترجمته: "وبقي خمس سنين في اختلاطه، ولا يحتج إلا بما روى عنه القدماء قبل اختلاطه مثل ابن المبارك، ويزيد بن زريع ...)، الثقات لابن حبان (٦/ ۳٦۰).
وقال ابن الكيال -رحمه الله-: "وممن سمع منه قبل اختلاطه عبد الله بن المبارك، ويزيد بن زريع ...)، الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات لابن الكيال (ص: ۱۹٥).
الحكم على الأثر: الإسناد إلى قتادة صحيح.¥.
هذا وقد حاول البعض الجمع بين قولي قتادة بما لا يخلو عن تكلف حيث قالوا: يحمل قول قتادة في نزول الآية في مهاجري الحبشة أنه أراد نزولها بين الهجرتين بالمدينة وعليه، فالآية مدنية كقوله السابق ينظر روح المعاني (۱٤/ ٤٦) بتصرف..
ولعلّ الباحث المتأمل لهذا الجمع يدرك ما ذكرت من التكلف في محاولة التوفيق بين قولي قتادة، إذ كيف ينزل الوحى بالمدينة والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بمكة؟. ألم يكن - صلى الله عليه وسلم - بمكة فترة ما بين الهجرتين؟
مناقشة الدليل الثاني: وأما ما روي من نزول هذه الآية في أبي جندل بن سهيل فيناقضه أمور وهي:
أولًا: أن إسناد هذه الرواية مع ما فيه من مقال ليس في الرواية التصريح بأن قصة أبي جندل هي سبب نزول الآية.
ثانيًا: أن الصحيح عند جمهور أهل العلم أن هذه الآية نزلت في مهاجري الحبشة، وقصة أبي جندل كما أورده الإمام البخاري - رحمه الله - في صحيحه كانت عام الحديبية يراجع: صحيح البخاري مع الفتح (۷/ ٥۱۹ برقم ٤۱۸۰ و ٤۱۸۱) كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية..
قال ابن عطية - رحمه اللّه - بعد أن ذكر قول من قال: إن الآية نزلت في أبي جندل بن سهيل "وهذا ضعيف؛ لأن أمر أبي جندل كان والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة"المحرر الوجيز (۱۰/ ۱۸٦)..
والخلاصة: أن دعوى مدنية هذه الآية تستند على أدلة ضعيفة، فالاعتماد في نزول هذه الآية هو ما ذهب إليه الجمهور من أنها نزلت في مهاجري الحبشة، وإن كان المعنى يعمّ كل من هاجر بعد.
قال ابن عطية - رحمه الله - "وأما قوله {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} فمكي في شأن هجرة الحبشة"المحرر الوجيز (۱۰/ ۱٥۷)..
وقال العلامة الآلوسيّ - رحمه الله - بعد عرض دعوى القائلين بمدنية الآية: "والذي ينبغي أن يعول عليه أن السورة مكية إلّا آيات، ليست هذه منها، بل هي مكية نزلت بين الهجرتين فيمن ذكره الجمهور"روح المعاني (۱٤/ ۱٤٦)..
في قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَالله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}سورة النحل الآية (۱۰۱).
أورد القرطبيّ - رحمه الله - عند تفسيره لقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ... سورة البقرة الآية (۱۰٦). الآية سببًا مشتركًا - في نظره - بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ... } الآية، فقال ما نصه: "وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة، وطعنوا في الإسلام بذلك، وقالوا: إن محمدًا يأمر أصحابه بشيء، ثم ينهاهم عنه، فما كان هذا القرآن إلا من جهته، ولهذا يناقض بعضه بعضًا، فأنزل الله {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} وأنزل {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ... } "تفسير القرطبي (۲/ ٦۱)..
ومقتضى هذا السبب الذي أورده القرطبي - رحمه الله - في تفسيره أن قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} الآية مدنيّ.
مناقشة هذا السبب:
لا أدري من أين استمدّ القرطبيّ - رحمه الله - أن قصة تحويل القبلة هى سبب نزول قوله تعالى {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ .... } إذ مما هو معلوم أن تحويل القبلة وقع بعد الهجرة بستة عشر شهرًا أو سبعة عشر - الشك - في رواية البخاري. ينظر: صحيح البخاري مع الفتح (۱/ ۱۱۸) برقم (٤۰) كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان. وعند مسلم فيه الجزم بأن ذلك كان بعد مضيّ ستة عشر شهرًا من الهجرة ¬ينظر: صحيح مسلم (۱/ ۳۷٤) برقم (٥۲٥) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معًا، ومن شك تردد في ذلك". الفتح (۱/ ۱۲۰).¥، وسورة النحل مكية فكيف يلتئم هذا بذاك؟
هذا وإن الطبري - رحمه الله - الذي يعتبر تفسيره موسوعة في روايات أسباب النزول لم يجعل هذه القصة سببًا لنزول هذه الآية، ولم يرو ذلك عن أحد من الصحابة أو التابعين، كما أن السيوطي - رحمه الله - لم يذكره أيضًا في "الدر المنثور".
ومعلوم أن السيوطي - رحمه الله - قلما تفوته رواية تفسيرية مسندة في هذا الكتاب فضلًا عن روايات أسباب النزول.
ومما يدلّ على نقض ما يستلزمه كلام القرطبيّ من نزول هذه الآية بعد الهجرة أننا لو سلمنا - جدلًا - بما يستلزمه كلام القرطبيّ فلا بدّ أن نعتبر ضمير الجماعة في قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} عائدًا إلى اليهود، إذ هم أصحاب قصة تحويل القبلة.
وقد حكى الله عنهم بقوله {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}سورة البقرة الآية (۱٤۲). غير أن عود الضمير إلى اليهود لا يسمح به سياق الآية إطلاقًا.
ففي الآية إلى قبل هذه الآية يقول تعالى: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ... }سورة النحل الآية (۱۰۰). ومعلوم أن أسلوب القرآن قد جرى غالبًا استعمال مادة "الشرك" في الذين أشركوا بالله دون غيرهم. ينظر: الروض الريان في أسئلة القرآن (۲/ ٦۱۱ - ٦۱۲) ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (ص: ۱٤٥ - ۱٤۷) وأضواء البيان - تتمة الشيخ عطية محمد سالم - (۹/ ۳۹۷ - ۳۹۹).
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - مبينًا أن القائلين {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} هم المشركون: "يخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين وقلة ثباتَهم وإيقافهم وأنَّه لا يتصور منهم الإيمان، وقد كتب عليهم الشقاوة، وذلك أنهم إذا رأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - {إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} "تفسير ابن كثير (۲/ ٦٥۷)..
وخلاصة القول: لعل القرطبيّ - رحمه الله - أراد التنظير بين الآيتين فيما يتعلق بقضية النسخ، أما إذا أراد أن ما ذكر هو سبب نزول قوله تعالى {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} فلكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة. والله أعلم.
في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}سورة النحل الآية (۱۰۳)..
ذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في معرض ذكره سبب نزول هذه الآية تفسيرًا للضحاك بن مزاحم - رحمه الله - ومفاده أن البشر المذكور في الآية هو سلمان الفارسي - رضي الله عنه -، وهذا التفسير - في ظاهره - يقتضي أن تكون هذه الآية مدنية، وليست كذلك إذ مما هو معلوم أن إسلام سلمان الفارسي كان بالمدينة ينظر: الإصابة (۲/ ٦۲)..
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - معقبًا على هذا التفسير: "وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسلمان إنما أسلم بالمدينة"تفسير ابن كثير (۲/ ٦۰۸)..
هذا وقد ورد سبب صحيح لهذه الآية يدلُّ على مكيتها، فقد أخرج الطبري في تفسيره من طريق هشيم عن حصين عن عبد الله بن مسلم الحضرمي هكذا في الطبري "عبد الله بن مسلم" وهو صحابي، وعند ابن عبد البرّ في الاستيعاب والحافظ ابن حجر في الإصابة "عبيد بن مسلم" وعند البغوي في معرفة الصحابة كما نقله الحافظ ابن حجر "عبيد اللّه" بالإضافة. انظر الاستيعاب (۳/ ۱۰۱۹). والإصابة (۲/ ٤٤٦ - ٤٤۷). أنه كان لهم عبدان من أهل عمر اليمن ¬هكذا في الطبري "عِيْر اليمن" وهي - بكسر العين - القافلة إبلًا أو غيرها، وفي الحديث "أنهم كانوا يتربصون عيرات قريش" أي إبلهم ودوابهم التي كانوا يتجرون عليها. انظر: النهاية في غريب الحديث (۳/ ۳۲۹)، لسان العرب (٤/ ٦۲٤). وعند الثعلبي في الكشف والبيان (۲/ ۲٥٥ ق / أ)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ۲۸۱)، وابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ۳۳۲)"عين التمر" وهي بلدة قريبة غربيّ الكوفة، وأكثر نخلها العشب - وهي التمر اليابس - ويحمل منها إلى سائر الأماكن.
انظر: معجم البلدان (٤/ ۱۹۹). مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع لصفي الدين البغداديّ (۲/ ۹۷۷).
ويبدو - والله أعلم - أن رواية الطبري هي الأصوب، وذلك لسببين:
أولًا: أن الصحابي الذي روى الرواية هو عبد الله بن مسلم الحضرمي، وحضرموت بلدة في اليمن.
ثانيًا: جاء في الرواية التي أخرجها البغوي في معرفة الصحابة كما ذكره الحافظ ابن ححر في الإصابة وصحح إسنادها أنهما من أهل نجران، ولا شك أن هذه الرواية تريد رواية الطبري. انظر: الإصابة (۲/ ٤٤۷).¥، وكانا طفلين، وكان يقال لأحدهما يسار، والآخر جبر، فكانا يقرآن التوراة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربما جلس إليهما، فقال كفار قريش: إنما يجلس إليهما يتعلم منهما، فأنزل الله تعالى: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} ¬تفسير الطبري (۱٤/ ۱۷۸) وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الإصابة (۲/ ٤٤۷) ونصه بعد أن أورد هذه الرواية: "وسنده صحيح وسماع حصين منه - أي عبد الله بن مسلم - يدلُّ على تأخر وفاته إلى بعد الثمانين".
وصححه أيضًا الشيخ مقبل الوادعي في الصحيح المسند من أسباب النزول (ص: ۱۲٤ - ۱۲٥)، وقد تصحفت عنده كلمة "عمر اليمن" إلى "غير اليمن" فليعلم.
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه كما في لباب النقول (ص: ۱۳٤)، والواحدي في أسباب النزول بنحوه أيضًا، وسنده ضعيف. انظر: (ص: ۲۸۱).¥.
وتَذهب رواية أخرى ضعيفة إلى أن الآية نزلت في قين أعجميّ اسمه بلعام ففي الطبري أيضًا من طريق مسلم بن عبد الله الملائي عن مجاهد عن ابن عباس قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم قينًا والقين هو الحداد، وقيل كل صانع، وجمعه أقيان وقيون. ينظر: النهاية في غريب الحديث (٤/ ۱۳٥) ولسان العرب (۱۳/ ۳٥۰). بمكة، وكان اسمه بلعام، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل من عنده ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه الآية {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... } الآية" ¬تفسير الطبري (۱٤/ ۱۷۷) وضعفه السيوطي في لباب النقول، انظر: (ص: ۱۳٤) ففيه مسلم بن عبد الله الملائي وهو ضعيف التقريب (۲/ ٤۱۱).
والأثر زاد السيوطي نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردوية انظر: الدر (٥/ ۱٦۷).¥.
والخلاصة: أن هذه الآية مكية تَبعًا لسورتها، وأضحى من المستبعد أن ينهض تفسير الضحاك الذي ضعفه الحافظ ابن كثير - رحمه الله - أمام السبب الصحيح الدَّال على مكيتها، والله أعلم.
في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}سورة النحل الآية (۱۲٥)..
أخرج الدارقطني ¬هو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد، وقد قيل إنه أملى كتابه العلل الموجود من حفظه، وقد حقق هذا الكتاب الدكتور محفوظ الرحمن زين الله لنيل درجة الدكتوراه في قسم السنة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وطبع أخيرًا بدار طيبة بعض الأجزاء منه، توفي - رحمه الله - سنة (۳۸٥ هـ).
ترجمته: وفيات الأعيان (۳/ ۲۹۷ - ۲۹۹)، طبقات علماء الحديث للصالحي (۳/ ۱۸۳ - ۱۸۷).¥ - رحمه الله - في سننه أثرًا عن ابن عباس، وفيه أن هذه الآية نزلت عقب غزوة أحد، ومقتضى هذا الأثر أن الآية مدنية.
ولتتضح لنا الصورة نورد نص الأثر:
قال الدارقطني: نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، نا الحكم بن موسى، نا إسماعيل بن عياش، عن عبد الملك بن أبي عتبة هكذا في سنن الدارقطني. وعند الواحديّ: عبد الملك بن أبي غنيّة وهو الصواب. انظر أسباب النزول (ص: ۲۸۳)، وتقريب التهذيب (۱/ ٥۱۸). أو غيره، عن الحكم بن عتيبة عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما انصرف المشركون عن قتلى أحد، انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرأى منظرًا أساءه، رأى حمزة - رضي الله عنه - قد شق بطنه، واصطلم الاصطلام هو الاستئصال، واصطلم القوم أي أبيدوا. انظر: لسان العرب (۱۲/ ۳٤۰). أنفه، وجدعت والجدع القطع، وقيل هو القطع البائن في الأنف والأذن والشفة. انظر: لسان العرب (۸/ ٤۱). أذناه، فقال: لولا أن يحزن النساء أو يكون سنة بعدي لتركته، حتَّى يبعثه الله من بطون السباع والطير، لأمثلنّ مكانه بسبعين رجلًا، ثم دعى ببردة فغطى بها وجهه، فخرجت رجلاه، فغط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجهه، وجعل على رجليه شيئًا من الإذخر الإذخر بكسر الهمزة حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب. انظر النهاية في غريب الحديث (۱/ ۳۳). ثم قدمه فكبر عليه عشرًا، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه، حتَّى صلى عليه سبعين صلاة، وكان القتلى سبعين. فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} إلى قوله: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} فصبر رَسوَل الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يمثل بأحد" ¬سنن الدارقطني (٤/ ۱۱۸) برقم (٤۷) وإسناده ضعيف ففيه إسماعيل بن عياش الشامي وهو يغلط ويخلط في حديث غير الشاميين، انظر: التقريب (۱/ ۳۲۳) وقد روى عن عبد الملك بن أبي غنيّة وهو كوفي. انظر: التقريب (۱/ ٥۱۸).
وقال الدارقطني بعد أن أورد هذا الحديث: لم يروه غير إسماعيل بن عياش وهو مضطرب الحديث عن غير الشاميين. سنن الدارقطني (٤/ ۱۱۸).
والحديث أخرجه الواحديّ من طريق الدارقطني نفسه. انظر: أسباب النزول (ص: ۲۸۲ - ۲۸۳).¥.
ومما يثيرَ العجب في هذا المقام أن ابن عاشور - رحمه الله - نسب إلى القرطبي تفسيرًا يقتضي أن تكون هذه الآية مدنية، مع أن المتأمل في نص الإمام القرطبي لا يفهم منه ما فهم منه ابن عاشور.
ولتتجلى لنا الصورة نذكر نص كلام القرطبيّ ثم نردف بعد ذلك تعليق ابن عاشور.
قال القرطبيّ - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية:
"هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة، فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهى فيه محكمة" ¬تفسير القرطبي (۱۰/ ۲۰۰) وما ذهب إليه القرطبي -رحمه الله- من أن الآية منسوخة بالقتال في حق الكافرين مخالف لما عليه جمهور المحققين، إذ لا تنافي بين القتال والمجادلة بالتي هى أحسن، قال ابن الجوزي: "وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وفيه بعد؛ لأن المجادلة لا تنافي القتال، ولم يقل له اقتصر على جدالهم فيكون المعنى: جادلهم فإن أبوا فالسيف، فلا يتوجه نسخ" نواسخ القرآن (ص: ۳۸۷).
ولا تعارض بين آيات الأمر بالعفو و الصفح عنِ المشركينِ وبين آيات الأمرِ بالقتال، وذلك عند قوله تعالى في سورة البقرة: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ...} الآية.¥.
هذا وقد أخذ ابن عاشور - رحمه الله - مقطعًا من كلام القرطبي السابق وهو قوله "هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش" ثم علق عليه بقوله: "أي في مدة صلح الحديبية" التحرير والتنوير (۱٤/ ۳۲٦). ومن ثم بنى ابن عاشور على تعليقه هذا أن القرطبي يرى مدنية هذه الآية فيقول بعد أن ذكر أثر ابن عباس الذي أوردناه قبل قليل - ذكره من طريق الواحديّ -: "ولا أحسب ما ذكراه - أي الواحدي والقرطبي - صحيحًا ولعل الذي غرّ من رواه قوله {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} بل موقع الآية متصل بما قبله غير محتاج إلى إيجاد سبب نزول"التحرير والتنوير (۱٤/ ۳۲٦)..
ويبدو - والله أعلم - أن القرطبي لم يرد بقوله "في وقت الأمر بمهادنة قريش" هدنة الحديبية، بل أراد المرحلة التي كان الشعار المعلن للمسلمين {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}جزء من الآية (۷۷) من سورة النساء. وسياق تتمة عبارته يوحى بذلك.
وخلاصة القول: أن هذه الآية مكية، ولكن مضمون ما تأمر به أمر كما قال القرطبيّ "ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة"تفسير القرطبي (۱۰/ ۲۰۰)..
قال ابن القيم - رحمه الله - مبينا أن التلطف مع الكفار والجدال معهم بالتي هى أحسن لم يكن في المرحلة المكية فحسب، وإنما كان كذلك - بجانب الجهاد - في المرحلة المدنية أيضًا، قال: "والمقصود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل في جدال الكفار على اختلاف مللهم ونحلهم إلى أن توفي، وكذلك أصحابه من بعده، وقد أمر الله سبحانه، بجدالهم بالتي هى أحسن في السور المكية والمدنية، وأمره أن يدعوهم بعد ظهور الحجة إلى المباهلة، وبهذا قام الدين، وإنما جعل السيف ناصرًا للحجة، وأعدل السيوف سيف ينصر حجج الله وبيناته، وهو سيف رسوله وأمته"زاد المعاد في هدي خير العباد (۳/ ٦٤۲)..
الآيات المدنية في سورة النحل
قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}سورة النحل، الآية (۱۱۰)..
اختلف المفسرون في هذه الآية إلى فريقين، وقبل أن نبدأ ذكر الفريقين وأدلة كل منهما لنذكر منشأ الخلاف بينهما، وما ذلك إلا ليساعد على فهم هذا الخلاف بصورة واضحة، أقول: إن منشأ الخلاف في مكية هذه الآية أو مدنيتها هو اختلافهم في تفسير الهجرة والجهاد المذكورين في الآية، فمن رأى أن المراد بالهجرة هي الهجرة إلى المدينة، وأن المراد بالجهاد هو الجهاد بالسيف، قال: إن هذه الآية مدنية.
ومن فسر الهجرة بالهجرة إلى الحبشة والجهاد بجهاد الدعوة يرى أن هذه الآية مكية، قال العلامة القاسمي -رحمه الله- في تفسيره: "وكل قوله {هَاجَرُوا} من هاجر إلى الحبشة من مكة فراراً بدينه من الفتنة، ومن هاجر إلى المدينة كذلك، كما كل قوله {جَاهَدُوا} في بث الحق ونشر كلمة الإيمان والدفاع عنه، أو قاتلوا في سبيل الله، ولأجل هذا الاحتمال في الفعلين قيل الآية مدنية"محاسن التأويل (۱۰/ ۱٦۷)..
الفريق الأول: ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية مدنية، بل كاد الإجماع ينعقد عندهم في مدنيتها، قال ابن عطية -رحمه الله-: " وهذه الآية مدنية ولا أعلم في ذلك خلافاً وإن وجد فهو ضعيف"المحرر الوجيز (۱۰/ ۲۳۹)، وانظر رأي الجمهور أيضاً: تفسير مقاتل (۲/ ٥۷ - ٥۸)، جمال القراء (۱/ ۱۳)، تفسير القرطبي (۱۰/ ٦٥)، البحر المحيط (٦/ ٦۰۰)..
أدلة الجمهور:
استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه من مدنية هذه الآية بأدلة أهمها ما يلي:
الدليل الأول: ما أخرجه الحافظ البزار من طريق محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كان ناس من أهل مكة أسلموا، وكانوا مستخفين بالإسلام، فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم مكرهين، فأصيب بعضهم يوم بدر مع المشركين، فقال المسلمون: أصحابنا هؤلاء مسلمون، أخرجوهم مكرهين فاستغافروا لهم، فنزلت هذه الآية {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... } الآية، فكتب المسلمون إلى من بقي منهم بمكة بهذه الآية، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ظهر عليهم المشركون وعلى خروجهم، فلحقوهم فردّوهم، فرجعوا معهم فنزلت هذه الآية {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ} فكتب المسلَمون إليهم بذلك فخرجوا، فنزلت هذه الآية: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا ... } الآية، فكتبوا بذلك" ¬كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة (۳/ ٤٦) برقم (۲۲۰٤)، وانظر أيضاً مختصر زوائد مسند البزار للحافظ ابن حجر (۲/ ۸۰) برقم (۱٤٦۰).
والأثر أخرجه الطبري في تفسيره بنحوه من طريق أبي أحمد الزبيري عن محمد بن شريك به. انظر: تفسير الطبري (۱٤/ ۱۸٤).
قال الهيثمي: "روى البخاري بعضه، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن شريك وهو ثقة". المجمع (۱۳۱۷).
وقال الحافظ ابن حجر: "وفي البخاري بعضه وإسناده صحيح". مختصر زوائد البزار (۲/ ۸۰)، وانظر: صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱۱۱) برقم (٤٥۹٦) كتاب التفسير، باب {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآية.
وأورده الشيخ مقبل الوادعي في الصحيح المسند من أسباب النزول معتمداً تصحيح الهيثمي انظر: (ص: ۱۲٦).
هذا وقد أخرج الطبري في تفسيره عن عكرمة والحسن البصري قالا: "في سورة النحل {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ} ثم نسخ واستثنى من ذلك فقال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا} الآية، وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له أبو عمرو -عثمان بن عفان- فأجاره النبي - صلى الله عليه وسلم -". تفسير الطبري (۱٤/ ٤۸٤).
قلت: إن هذا الأثر ضعيف، ففيه محمد بن حميد بن حيان -شيخ الطبري- وهو ضعيف. التقريب (۲/ ۱٥٦)، وقد روي عن الحسن نحو قول الجمهور. انظر: تفسير الرازي (۲۰/ ۱۲۷).¥.
وجه الاستدلال: في هذا الأثر دلالة واضحة علِى أن هذه الآية مدنية، وذلك لنزولها بعد قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآية سورة النساء، الآية (۹۷)..
وهذه الآية مدنية باتفاق.
الدليل الثاني: فسر غير واحد من المفسرين بأن المعنيين في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا ... } الآية هم قوم من المسلمين تخلفوا بمكة بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة.
قال المهدوي -رحمه الله-: "وهذه الآية نزلت في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين عذبوا بعد هجرة النبي عليه السلام إلى المدينة"شرح الهداية للمهدوي (۲/ ۳۸۲)..
وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم فوافقوهم على الفتنة، ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا فأخبر الله تعالى أنه من بعدها أي تلك الفعلة وهي الإحابة إلى الفتنة لغفور لهم رحيم بهم يوم معادهم"تفسير ابن كثير (۲/ ٦۱۰)..
الفريق الثاني: القائلون بمكية هذه الآية:
لم أقف -حسب اطلاعي- على من صرح بمكية هذه الآية اللهم إلا الشيخ ابن عاشور يراجع التحرير والتنوير (۳۰۰/ ۱٤). والأستاذ محمد عزة دروزة يراجع: التفسير الحديث (٦/ ۱۰٥). -رحمها الله- كما حكى الرازي عن بعض أهل العلم أنهم يقولون: إن أول سورة النحل إلى قوله {كُنْ فَيَكُونُ} مدني، وما سواه مكي يراجع: تفسير الرازي (۹/ ۲۲۲)، وانظر أيضاً: غرائب القرآن للنيسابوري (۱٤/ ٤۳) نقلاً عن الرازي. - وهو عكس القول المروي عن قتادة وجابر بن زيد -رحمهما الله تعالى- ومقتضى ما حكاه الرازي عن هؤلاء أنهم يرون أن هذه الآية مكية.
ولعل العلامة القاسمي كذلك يميل إلى هذا الرأي، ويبدو ذلك من وجهين:
الوجه الأول: وإن جوَّز العلامة القاسمي أن لفظ الهجرة يشمل هجرتي الحبشة والمدينة إلا أن تقديمه عند تفسيره لمعنى الهجرة هنا الهجرة إلى الحبشة على الهجرة إلى المدينة يشعر هذا التقديم أنه يرى -كعادته- أن حمل الآية على المسلمين الذين تخلفوا بمكة بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة لا يعني نزول الآية في هؤلاء النزول المباشر، بل هم من الأفراد الذين تشملهم الآية، كما أن تقديمه تفسير الجهاد بمعناه الدعوي على معنى القتال في سبيل الله يوحي أيضاً ما ذكرنا.
الوجه الثاني: حكايته بصيغة التمريض القول بمدنية هذه الآية توحي أيضاً أنه يميل إلى القول بمكيتها، وفي هذا يقول بعد أن ذكر اشتمال لفظ الهجرة في كلا الهجرتين، والجهاد في كلتا المعنيين: "ولأجل هذا الاحتمال في الفعلين قيل الآية مدنية"محاسن التأويل (۱۰/ ۱٦۷)..
أدلة القائلين بمكية هذه الآية:
الدليل الأول: أنه لا يمكن أن يستقيم معنى الهجرة هنا إلا الهجرة إلى الحبشة، إذ الآية نازلة في المسلمين الذين أذن لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة إلى الحبشة للتخلص من أذى المشركين ينظر: التحرير والتنوير (۱٤/ ۲۹۹)..
هذا وقد استشهد الشيخ ابن عاشور -رحمه الله- في هذا المعنى بعدة آثار وردت في قصة الهجرة إلى الحبشة ينظر هذه الآثار في التحرير والتنوير (۱٤/ ۲۹۹ - ۳۰۰).، ولم تتضح لي العلاقة بين تلك الآثار إلى استشهد بها وبين هذه الآية، ولعل هذا مبني على تفسيره للهجرة بالهجرة إلى الحبشة، إذ هو لم يستجز غير ذلك.
الدليل الثاني: إن هذه الآية توضيح لمعنى قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} الآية سورة النحل، الآية (۱۰٦).، ولا خلاف بين أهَل العلم أن هذه الآية مَكية نزلت في عمار بن ياسر - رضي الله عنه - انظر: التفسير الحديث (٦/ ۱۰٥)..
القول الراجح:
هذا ويترجح عندي -والعلم عند الله- أن هذه الآية مدنية ومستثناة من مكية سورة النحل، وذلك لصحة الأثر الصحيح الصريح في نزولها بعد نزول قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... } الآية سورة النساء، الآية (۹۷).، وهذه الآية مدنية باتفاق أهل العلم، ولا شك أنه إذا صح الأثر يجب الأخذ به، ولا قول لقائل بعد هذا من لطائف العلم إلى تستحسن أن تذكر في مثل هذا المقام ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من قولهم: إذا ورد السماع بطل القياس. ذكره البغدادي في: خزانة الأدب (۳/ ٥٥۹)..
وهذا الأثر له حكم الرفع في مثل هذا المقام، إذ إن تفسير الصحابي كما هو مقرر في القواعد التفسيرية والحديثية والأصولية له حكم الرفع إذا كان متعلقاً بأسباب النزول انظر: المستدرك (۱/ ۲۷، ۱۲۳)، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (۲/ ۲۹۳ - ۲۹٤)، مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية (ص: ٤۰)، المقنع في علوم الحديث لابن الملقن (۱/ ۱۲۷)، تدريب الراوي (۱/ ۱٥۷)..
قال الإمام السيوطي -رحمه الله- في ألفيته:
وليعط حكم الرفع في الصواب ... نحو من السنة من صحابي
وهكذا تفسير من قد صحبا ... في سبب النزول أو رأياً أبى ألفية السيوطي في علم الحديث (ص: ۲۲).
مناقشة أدلة القائلين بمكية الآية:
مناقشة دليلهم الأول: إن ما ذكره الشيخ ابن عاشور -رحمه الله- من أنه لا يمكن استقامة معنى الهجرة هنا إلا الهجرة إلى الحبشة أمر غير مسلَّم وتحكم بلا دليل، كيف وفي الأثر الصحيح السابق فيه تصريح أن المراد بالهجرة هنا هي هجرة قوم تخلفوا بمكة فحال الكفار بينهم وبين الهجرة إلى المدينة.
وعلى فرض أن الهجرة أريد بها هنا أصالة الهجرة إلى الحبشة، ما المانع أن يراد كذلك الهجرة إلى المدينة تبعاً؟ أليست العبرة بعموم اللفظ؟
ورحم الله القائل:
والدعاوي ما لم تقيموا عليها ... بينات أصحابها أدعياء هذا البيت من الأبيات الجارية مجرى الأمثال، وقد رجعت من أجل التوثيق إلى مجموعة من كتب الأمثال وشواهد الشعر العربي فلم أوفق..
مناقشة دليلهم الثاني: لا خلاف بين أهل العلم أن قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ ... } الآية سورة النحل، الآية (۱۰٦). نزلت في عمار بن ياسر - رضي الله عنه - وإن كانت الآية تعم فيما بعد.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "واتفقوا على أنه نزل فيه: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ} "الإصابة (۲/ ٥۱۲)..
وقال الحافظ أيضَاً في معرض شرحه للحديث الوارد في فضل عمار بن ياسر - رضي الله عنه - وفيه: "أفيكم الذي أجاره الله من الشيطان" قال: "ويحتمل أن تكون الإشارة بالإجارة المذكورة إلى ثباته على الإيمان لما أكرهه المشركون على النطق بكلمة الكفر، فنزلت فيه: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ} "الفتح (۷/ ۱۱٦) وانظر الحديث برقم (۳۷٤۲) كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمار وحذيفة رضي الله عنهما..
وأخرج ابن أبي شيبة -رحمه الله- من طريق الأعمش عن أبي إسحاق عن هانئ قال: "استأذن عمار على عليّ، فقال: مرحبا بالطيب المطيَّب، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: مُلِئَ عمارٌ إيماناً إلى مُشاشه" ¬المصنف (۱۲/ ۱۲۱) برقم (۱۲۳۰٥).
والأثر أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً في كتابه الإيمان (۹۳)، وابن ماجه في المقدمة (۱/ ٥۲) برقم (۱٤۷)، والنسائي في السنن (۸/ ٤۸٥) برقم (٥۰۲۲) كتاب الإيمان وشرائعه، باب تفاضل أهل الإيمان، والحاكم في المستدرك (۳/ ۳۹۲ - ۳۹۳)، وصححه ووافقه الذهبي، وأبو نعيم في الحلية (۱/ ۱۳۹).
وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (۱/ ۳۰) برقم (۱۲۰)، وفي السلسلة الصحيحة (۲/ ٤٦٦ - ٤٦۷) برقم (۸۰۷).
والمشاشة هى "رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها كالمرفقين والكتفين والركبتين". النهاية في غريب الحديث (٤/ ۳۳۳).¥.
وأما ما قاله الفريق الثاني من أن هذه الآية توضيح لمعنى قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ ... } الآية، ومن ثم يرتبون -في نظرهم- أن هذه الآية مكية كذلك فإني لم أقف على ما يؤيد ذلك اللهم إلا ما أخرجه الطبري عن عكرمة والحسن حيث قالا: "في سورة النحل {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ} ثم نسخ واستثنى من ذلك فقال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا ... } الآية ... " تفسير الطبري (۱٤/ ٤۸٤).
قلت: إن هذا الأثر ضعيف، ففيه محمد بن حميد بن حيان -شيخ الطبري- وهو ضعيف. التقريب (۲/ ۱٥٦)، وقد روي عن الحسن نحو قول الجمهور. انظر: تفسير الرازي (۲۰/ ۱۲۷).¥.
وعلى فرض أن هذه الآية توضيح وبيان لقوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ .... } الآية فهل يلزم أن تكون مكية مثلها؟
وكم من الآيات المكية جاءت مجملة وبُينت في آيات مدنية، وقد يكون الأمر عكس ذلك، كما أن المكي يُبين بعضه بعضاً.
فها هي هذه الآية {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ... } الآية سورة البقرة، الآية (۳۷).، وهي في سورة مدنية يأتي بيانها في سورة مكية حيث قال الله تعالى في تفسير هذه الكلمات حاكياً عن آدم وحواء: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}سورة الأعراف، الآية (۲۳)..
وها هي هذه الآية المدنية أيضاً تنفي الخلة على العموم، حيث قال الفه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}سورة البقرة، الآية (۲٥٤).، ويأتي استثناؤها في آية مكية حيث قال الله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}سورة الزخرف، الآية (٦۷)..
ورحم الله الشاطبي فله كلام نفيس في هذا المقام حيث يقول: "المدني من السور ينبغي أن يكون منزلاً في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض، على حسب ترتيبه في التنزيل، وإلا لم يصح، والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما -مبني على متقدمه، دل على ذلك الاستقراء، وذلك إنما يكون ببيان مجمل أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله"الموافقات (۳/ ٤۰٦)..
الآيات المكية التي تكرر نزولها بالمدينة في سورة النحل
قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}سورة النحل الآيات (۱۲٦ - ۱۲۸)..
اختلف أهل العلم في صحة القول بمدنية هذه الآيات إلى أقوال ثلاثة، وإليك عرض هذه الأقوال، وأدلة كل منهم، وبعد ذلك نحاول أن نرجح ما نراه راجحاً على ضوء النصوص التي وقفنا عليها.
القول الأول: أن هذه الآيات مستثناة من مكية سورة النحل، فهي آيات مدنية في سورة مكية، وهذا القول هو قول جمهور المفسرين.
ومما هو جدير بالانتباه أن أصحاب هذا القول يختلفون في القدر المدني من هذه الآيات الثلاث، فمنهم من يرى أن الآيات الثلاث كلها مدنيات، وهو قول الأغلبية انظر: تفسير مقاتل (۲/ ٥۷)، ومعاني القرآن للزجاج (۳/ ۱۸۹)، وتفسير أبي المظفر السمعاني (۲٦۰/ ۳ ق / أ)، ومعالم التنزيل (۷۱٥)، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل" تفسير البيضاوي"(۱/ ٥٤۸)، وتفسير الخازن (٤/ ۷۸)، وغرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري (۱٤/ ٤۱)، ومصاعد النظر (۲/ ۲۰۷)، وتفسير أبي السعود (٥/ ۹٤)..
ويرى آخرون أن المدني آيتان، بدءً من قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} الآية، والتى تليها انظر: المحرر الوجيز (۱۰/ ۱٥۷)، وتفسير القرطبي نقلا عن ابن عطية (۱۰/ ٦٥). كما يرى البعض أن المدني آية واحدة فقط، وهى قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... } الآية انظر: المحرر الوجيز (۱۰/ ۱٥۷)..
أدلة هذا القول:
استدل أصحاب هذا القول لتأييد رأيهم بالأدلة التالية:-
الدليل الأول: ما أخرجه الإمام عبد الله بن أحمد في زوائد مسند أبيه من طريق عيسى بن عبيد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب قال: "لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لئن كان يوم مثل هذا من المشركين لنربين عليهم، فلما كان يوم الفتح قال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، فنادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمن الأسود والأبيض إلّا فلانا وفلانا ناساً حماهم، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نصبر ولا نعاقب" ¬المسند (٥/ ۱۷۸) برقم (۲۱۲۲۱) طبعة المكتب الإسلامي المرقمة.
والحديث أخرجه الترمذي وحسنه. سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي (۸/ ٤٤٤ - ٤٤٥) برقم (۳۳۳۷) كتاب التفسير، باب ومن سورة النحل، والنسائي في تفسيره (۱/ ٦٤۰ - ٦٤۱) برقم (۲۹۹) وابن حبان في صحيحه انظر: الإحسان (۲/ ۲۳۹ - ۲٤۰) برقم (٤۸۷) والحاكم في المستدرك (۲/ ۳٥۹)، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في الدلائل (۳/ ۲۸۹) كلهم من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب نحوه.
وزاد السيوطي نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، انظر: الدر (٥/ ۱۷۸ - ۱۷۹).
وقال الشيخ ناصر الدين الألباني: "حسن صحيح الإسناد" صحيح سنن الترمذي (۳/ ٦۷) برقم (۲٥۰۱).¥.
الدليل الثاني: ما أخرجه الحافظ البزار في مسنده حيث قال: ثنا الحسن بن يحيى ثنا عمرو بن عاصم ثنا صالح المريّ عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن أبي هريرة رضى الله عنه "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف على حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - حين استشهد فنظر إلى منظر لم ينظر إلى أوجع للقلب منه، أو أوجع لقلبه منه، فنظر إليه وقد مثّل به، فقال: رحمة الله عليك إن كنت ما علمت لوصولاً للرحم، فعولاً للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع -أو كلمة نحوها-، أما والله على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلك، فنزل جبريل عليه السلام على محمد - صلى الله عليه وسلم - بهذه السورة، وقرأ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} إلى آخر الآية، فكفَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمسك عن ذلك" ¬كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة (۲/ ۳۲٦ - ۳۲۷) برقم (۱۷۹٥) وانظر أيضاً: مختصر زوائد مسند البزار (۳۱/ ۲) برقم (۱۳۷٥).
والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (۳/ ۱٤۳) برقم (۲۹۳۷)، والحاكم في المستدرك (۳/ ۱۹۷)، والبيهقي في الدلائل (۳/ ۲۸۸)، كلهم من طريق صالح المري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن أبي هريرة نحوه.
وضعفه الحافظ ابن كثير في تفسيره، فقد قال بعد أن أورد رواية البزار: "وهذا إسناد فيه ضعف؛ لأن صالحاً هو ابن بشير المريّ ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث" تفسير ابن كثير (۲/ ٦۱٤) وانظر قول البخاري في: التاريخ الكبير (٤/ ۲۷۳) وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ۱۲۲) "رواه البزار والطبراني وفيه صالح بن بشير المري وهو ضعيف" والحديث له شاهد عن ابن عباس أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (۱۱/ ٦۲) برقم (۱۱۰٥۱) والبيهقي في الدلائل (۲/ ۲۸۸)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ۲۸٤) وإسناده ضعيف أيضاً.
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن أورد حديث أبى هريرة، وأبي بن كعب وابن عباس: "وهذه طرق يقوي بعضها بعضا" الفتح (۷/ ٤۳۰).¥.
قلت: وأيا كان الاختلاف بين هاتين الروايتين في تحديد وقت نزول قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... } الآية فإنهما يتفقان أن قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا} مدنيّ.
الدليل الثالث: أخرج النحاس في كتابه "الناسخ والمنسوخ" بسنده عن ابن عباس هذا الإسناد هو إسناد يموت بن المزرع، وقد جرت عادة النحاس أن يدكر روايات المكي والمدني بواسطة هذا الإسناد، انظر الكلام على هذا الإسناد مفصلا (ص: ۲۲۲ - ۲۲٥). قال: "وسورة النحل نزلت بمكة، فهي مكية سوى ثلاث آيات من آخرها فإنهن نزلن بين مكة والمدينة، في منصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحد، وذلك أنه قتل حمزة بن عبد المطلب، ومثل به المشركون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:- "لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بثلاثين منهم" فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والله يا رسول الله لئن أظفرنا الله بهم لنمثلن بهم تمثيلا لم يمثل به أحد من العرب، فأنزل الله تعالى بين مكة والمدينة ثلاث آيات، وهن قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... } الآيات ¬الناسخ والمنسوخ للنحاس (۲/ ٤۸٤ - ٤۸٥).
والأثر أخرجه الطبري نحوه مرسلًا عن عطاء بن يسار، وفي إسناده كما قال الحافظ ابن كثير رجل مبهم لم يسمّ، قلت: وفيه أيضا عنعنه ابن إسحاق.
انظر: تفسير الطبري (۱٤/ ۱۹٥ - ۱۹٦)، وتفسير ابن كثير (۲/ ٦۱٤)، وجزء منه أخرجه الطبراني والبيهقي والواحدي كلهم من طريق مقسم عن ابن عباس.
قال النحاس معلقا على هذا الأثر: "وما نزل بين مكة والمدينة فهو مدني" الناسخ والمنسوخ (۲/ ٤۸٥)..
الدليل الرابع: إجماع أهل التفسير على أن قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا ... } الآية مدني، قال ابن عطية في تفسيره: "أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري وفي كتاب السير" ¬المحرر الوجيز (۱۰/ ۲٥۱) وانظر: القرطبي (۱۰/ ۲۰۱) نقلا عن ابن عطية.
عزا الدكتور عادل أبو العلا هذه العبارة إلى القرطبي ولعله لم يدر أن القرطبي كثيراً ما ينقل عن ابن عطية، ولا يعزو إليه في غالب الأحيان.
انظر: خصائص السور والآيات المدنية ضوابطها ومقاصدها (ص: ۱٤٥).¥
القول الثاني: أن هذه الآيات مكيات تبعا لسورتها، والقول بمدنيتهن غير صحيح، وإليه ذهب الضحاك، وزيد بن أسلم، والنحاس في كتابه "معاني القرآن"انظر: معانى القرآن للنحاس (٤/ ۱۱۲ - ۱۱۳) وليعلم أن العتمد في رأي النحاس هو ما في كتابه "الناسخ والمنسوخ" إذ هو من أخر تآليفه في حين أن "معاني القرآن" من أسبق مؤلفاته.، والفخر الرازي انظر: مفاتيح الغيب "التفسير الكبير"(۲۰/ ۱٤۲ - ۱٤۳)..
ويرى هذا الرأي من المعاصرين العلامة القاسمي انظر: محاسن التأويل (۱۰/ ۱۸۰).، والشيخ ابن عاشور انظر: التحرير والتنوير (۱٤/ ۳۳٥). والأستاذ محمد عزة دروزة انظر: التفسير الحديث (٦/ ۱۱۷)..
أدلة هذا القول: استدل أصحاب القول الثاني في تأييد ما ذهبوا إليه بما يلي:
الدليل الأول: إطلاق بعض الصحابة من أن آيات هذه السورة كلها مكية دون استثناء آية منها، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نزلت سورة النحل بمكة"الدر المنثور (٥/ ۱۰۷). وبمثل هذا أخرجه أيضا عن ابن الزبير الدر المنثور (٥/ ۱۰۷)..
وذكر ابن الجوزي -رحمه الله- في تفسيره أن رواية علي بن أبى طلحة عن ابن عباس قال: "إنها مكية"زاد المسير (٤/ ٤۲٥)..
قال العلامة الآلوسي مشيراً إلى هذا الإطلاق: "وأطلق جمع القول بأنها مكية وأخرج ذلك ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم"روح المعاني (۱٤/ ۸۹)..
الدليل الثانى:- أن قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... } الآية كان قد نزل قبل مشروعية الجهاد، ولا يكوَن هَذا إلا في مَكة، فقد روى عليّ بن الحكم عن الضحاك أنه قال: "نزلت هذه الآية قبل القتال وقبل سورة براءة"معاني القرآن للنحاس (٤/ ۱۱۲ - ۱۱۳)..
قال النحاس معلقاً على قول الضحاك هذا: "وهذا القول أولى، وقد قال زيد بن أسلم نحوه"معاني القرآن للنحاس (٤/ ۱۱۲ - ۱۱۳)..
الدليل الثالث: إن قوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} لدليل على مكية هذه الآيات، إذ إن أكثر مكرهم وحزنه - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة معاني القرآن للنحاس (٤/ ۱۱۲ - ۱۱۳) بتصرف. كما أن هناك آيات مكية تضمنت ما تضمنته هذه الآية، ومرت أمثلة من ذلك، ففي سورة النمل المكية: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ}انظر: التفسير الحديث (٦/ ۱۱۷) والآية في سورة النمل (۷۰)..
الدليل الرابع: أن الروايات التي تفيد أن هذه الآيات نزلت عقب غزوة أحد أو فتح مكة، في شأن التمثيل بقتلى أحد، ليس المراد أن نزولها كان في ذاك الوقت، بل مما تشتمله الآيات، ومن الأفراد الداخلة في عمومها.
قال الرازي في تفسيره: "فإن قيل: فهل تقدحون فيما روي أنه عليه السلام ترك العزم على المثلة وكفّر عن يمينه بسبب هذه الآية؟
قلنا: لا حاجة إلى القدح في تلك الرواية؛ لأنا نقول: تلك الواقعة داخلة في عموم هذه الآية، فيمكن التمسك في تلك الواقعة بعموم هذه الآية، إنما الذي ينازع فيه أنه لا يجوز قصر هذه الآية على هذه الواقعة، لأن ذلك يوجب سوء الترتيب في كلام الله تعالى"مفاتيح الغيب (۲۰/ ۱٤۳)..
وقال العلامة القاسمي -رحمه الله- بعد أن أورد في تفسيره بعض الآثار الدالة على نزول هذه الآيات في قصة التمثيل يوم أحد:- "بمعرفة ما قدمنا من معنى سبب النزول -في مقدمة التفسير- يعلم أن لاحاجة إلى الذهاب إلى أنها مدنية ألحقت بالسورة، ولا إلى ردّما روي من هذه الآثار، إذ به يتضح عدم التنافي، والتقاء الآثار مع الآية، فتذكره"محاسن التأويل (۱۰/ ۱۸۰) وانظر: مقدمة تفسير القاسمي (۱/ ۲۷ - ۳۱).
الدليل الخامس: أن أسلوب هذه الآيات ومضمونها يؤكد اتصالها بما قبلها، الأمر الذي يرجح أن تكون هذه الآيات مكيات، قال الشيخ ابن عاشور -رحمه الله-:- "فهذه الآية {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... } الآية، متصلة بما قبلها أتمّ اتصال، وحسبك وجود العاطَف فيها، وَهذا تدرج في رتب المعاملة، من معاملة الذين يدعون ويوعظون إلى معاملة الذين يجادلون، ثم إلى معاملة الذين يجازون على أفعالهم، وبذلك حصل حسن الترتيب في أسلوب القرآن الكريم، وهذا مختار النحاس، وابن عطية، وفخر الدين، وبذلك يترجح كون هذه الآية مكية مع سوابقها ابتداء من الآية الحادية والأربعين، وهو قول جابر بن زيد كما تقدم في أول السورة، واختار ابن عطية أن هذه الآية مكية" ¬التحرير والتنوير (۱٤/ ۳۳٥).
قلت: وفي كلام الشيخ ابن عاشور هذا عدّة أمور تستوجب التعليق، وهي كالتالي:-
أولا: قوله "وهذا مختار النحاس" لعلّ الشيخ ابن عاشور -رحمه الله- اعتمد على رأي النحاس في كتابه "معاني القرآن"، وقد سبق أن بيّنا أن المعتمد في رأي النحاس هو ما دوَّنه في كتابه الأخير "الناسخ والمنسوخ".
ثانيا: نسبته إلى جابر بن زيد بأنه يرى بدءً من الآية الحادية والأربعين إلى آخر السورة أنها مكي ليس بصحيح، بل الأمر عكس ذلك، فجابر بن زيد يرى أن أول السورة إلى الآية الأربعين مكي، وما بعدها إلى آخر السورة مدني.
ولعل هذا سهو من الشيخ -رحمه الله-. أو خطأ من النساخ إذ إنني وجدته يقول في بداية سبورة النحل "وعن قتادة وجابر بن زيد أن أولها مكي إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} فهو مدني إلى آخر السورة التحرير والتنوير (۱٤/ ۹۳) وهذا هو الصواب في رأي جابر بن زيد، ورحم الله الشيخ ابن عاشور فهو أعلم وأكيس أن يخالف ما قرره قبل قليل، ولئن كان هو قائل ذلك فلا غرو، فلكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة.
ثالثا: أن ما ذكره الشيخ ابن عاشور -رحمه الله- من أن ابن عطية اختار مكية هذه الآية، مخالف لما أثبته ابن عطية في تفسيره، فلعله قد اشتبه عليه ما تطرق به ابن عطية من اتصال هذه الآية بما قبلها حيث يقول: "والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالاً حسناً لأنها تتدرج الرتب من الذي يدعى ويوعظ إلى الذي يجادل إلى الذي يجازى على فعله".
وعلق ابن عطية -رحمه الله- هذه العبارة بقوله: "ولكن ما روى الجمهور أثبت" المحرر الوجيز (۱۰/ ۲٥۲).
عجباً كيف يختار ابن عطية مكية هذه الآية، وهو الذي حكى إجماع أهل التفسير بأنها مدنية! انظر (ص: ۸۳٤) وهو القائل أيضا في تفسيره: "وهي -أي سورة النحل- مكية غير قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا} الآية نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد ... " المحرر الوجيز (۱۰/ ۱٥۷).¥.
القول الثالث:- أن هذه الآيات مما تكرر نزولها، فقد نزلت تارة في مكة وتارة في المدينة لما ورد في ذلك من الآثار الدالة على ذلك، وإليه ذهب ابن الحصار كما نقل عنه السيوطي في "الإتقان" انظر: (۱/ ۱۰۷)..
أدلة القول الثالث:-
لا أظن أن أصحاب هذا القول يأتون بشيء جديد فيما يتعلق في الاستدلال على أن هذه الآيات مكيات أو مدنيات، ويبدو أن هذا الفريق أراد التوفيق بين الروايات المتعددة في هذه القضية، ويلاحظ في هذا عبارة ابن الحصار التي نقلها السيوطي في "الإتقان" حيث قال: "ويجمع -أي الروايات- بأنها نزلت أولاً بمكة قبل الهجرة مع السورة؛ لأنها مكية، ثم ثانياً بأحد، ثم ثالثاً يوم الفتح، تذكيراً من الله لعباده"الإتقان (۱/ ۱۰۷)..
بيان القول الراجح:
وقبل ذكر الترجيح في مكية هذه الآيات أو مدنيتها أحبّ أن أنبه هنا إلى قاعدة مسلمة تتعلق بتعارض الأدلة في القضية الواحدة، وهي: أن هذا التعارض في نظرنا القاصر لامن حيث أصل أدلة الشريعة، قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}جزء من الآية (۸۲) من سورة النساء..
ونقل الخطيب البغدادي -رحمه الله- بسنده عن ابن خزيمة قوله: "لا أعرف أنه روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثان بإسنادين صحيحين متضادان، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما"الكفاية (ص: ٦۰٦) تحت عنوان: باب القول في تعارض الأخبار وما يصح التعارض فيه وما لا يصح..
ورحم الله الشاطبي حيث يقول في كتابه "الموافقات" -وعبارته في هذا المقام تكتب بماء الذهب حقاً-: "إن كل من تحقق بأصول الشريعة فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل من حقق مناط المسائل ¬المناط هو العلة وسميت مناطا لربط الحكم بها، وتعليقه عليها.
انظر: الإحكام للآمدي (۳/ ٦۳)، روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة (۲/ ۲۲۹).¥ فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها ألبتة ... ولذلك لاتجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم"الموافقات (٤/ ۲۹٤)..
وعلى ضوء تلك القاعدة الأصولية يبدو أن ما ذهب إليه ابن الحصار من تكرر نزول هذه الآيات هو الصواب، وذلك لأمور:-
أولاً:- أن إطلاق الوارد عن بعض الصحابة بأن سورة النحل كلها مكية قد ورد في بعض طرقه بأسانيد صحيحة كطريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعليه أرى أن هذه الآيات مكيات اعتماداً على ذلك، وأما روايتا ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير فلم أقف على إسناده في الروايتين حتى أحكم عليهما.
ثانيا: أن الروايات الواردة في نزول قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} الآية في شأن التمثيل بقتلى أحد قد تعددت، سواء كان ذَلك عقب غَزوة أحد أو يوم فتح مكة، وبعض ذلك أسانيده قد صحت، والسببية مصرحة كذلك، ولا مفرّ إذا إلى القول بأن هذه الآيات نزلت في المدينة مرّة أخرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مبيناً أن تعدد الروايات في القصة الواحدة تدل على صحة تلك القصة في الجملة، قال: "فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات وقد علم أن المخبرين لم يتواطؤوا على اختلافه، وقد علم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقا بلا قصد علم أنه صحيح، مثل شخص يحدث عن واقعة جرت ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال، فيعلم قطعاً أن تلك الواقعة حق في الجملة"مقدمة في أصول التفسير (ص: ٥٥) مجموع الفتاوى (۳٤۷/ ۱۳ - ۳٤۸)..
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- "فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذلك على أن لها أصلا"الفتح (۸/ ۲۹۳)..
وقال الحافظ أيضا بعد أن أورد حديث أبي هريرة، وأبيّ بن كعب، وابن عباس في معرض شرحه لحديث مقتل حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - قال: "وهذه طرق يقوي بعضها بعضا"الفتح (۷/ ٤۳۰)..
ثالثا: أن من شروط الترجيح إلى لابدّ من اعتبارها عدم إمكان الجمع، وأما إذا أمكن الجمع بين الأدلة الثابتة فينبغي المصير إليه مزيداً من التفصيل لهذه القاعدة، انظر: إرشاد الفحول للشوكاني (ص: ۲۷٦)، ونثر الورود على مراقي السعود (۲/ ٥۸۷ - ٥۸۸)..
قال صاحب المراقي:
والجمع واجب متى ما أمكنا ... إلّا فللأخير نسخ بينا متن مراقي السعود (ص: ۱٦۱).
دفع الإعتراضات عن هذا الرأي:-
اعترض على القول بتكرر النزول عدة اعتراضات، وإليك ذكر هذه الاعتراضات والجواب عنها:-
الاعتراض الأول:- أن القول بتكرر النزول ليس فيه فائدة، إذ هو تحصيل ما هو حاصل ¬انظر: الإتقان (۱/ ۱۱٤) نقلاً عن صاحب "الكفيل بمعاني التنزيل" عماد الدين الكندي، وقد رجعت إلى "الكفيل بمعاني التنزيل" فلم أحد النقل الذي نقله عنه السيوطي، ولعله القسم الساقط، إذ إن الجزء الأول الذي يشتمل المقدمة والفاتحة، وآيات من سورة البقرة في عداد المفقود.
ويبدو من نقل السيوطي أن عماد الدين الكندي ذكر هذا الاعتراض في معرض تفسيره لسورة الفاتحة.
وكتاب "الكفيل بمعاني التنزيل" تفسير مهتم بالنواحي اللغوية والبلاغية في القرآن، وتوجد نسخة منه في مكتبة الجامعة الإسلامية برقم (۲۳٤۳).¥.
الجواب عن هذا الاعتراض: إن دعوى أن القول بتكرر النزول ليس فيه فائدة دعوى مردودة كما قال الإمام السيوطي -رحمه الله-، وقد صرح جماعة من المتقدمين والمتأخرين بأن من القرآن ما تكرر نزوله انظر: الإتقان (۱/ ۱۱۳ - ۱۱٤).. ومن فوائده التذكير والموعظة، قال ابن الحصار: "قد يتكرر نزول الآية تذكيراً وموعظة"الإتقان (۱/ ۱۱۳ - ۱۱٤)..
وقال الزركشى -رحمه الله- "وقد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه وتذكيراً به عند حدوث سببه خوف نسيانه"البرهان (۱/ ۲۹)..
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وإذا ذكر أحدهم لها سبباً نزلت لأجله، وذكر الآخر سبباً، فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب، أو تكون نزلت مرتين، مرة لهذا السبب، ومرة لهذا السبب"مقدمة في أصول التفسير (ص: ٤۱)..
وقال أيضا في معرض تعداده اختلاف التنوع في التفسير الموجود لدي السلف:- "ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين، إما لكونه مشتركاً في اللغة ... وإما لكونه متواطئاً في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين ... فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك، فالأول: إما لكون الآية نزلت مرتين، فأريد بها هذا تارة، وهذا تارة"مقدمة في أصول التفسير (ص: ٤۱ - ٤۲)..
وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في الجمع بين رواية الترمذي عن ابن عباس، وبين رواية البخاري عن ابن مسعود حول نزول قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} الآية قال: "وهذا السياق -أي سياق رواية البخاري عن ابن مسعود- يقتضي فيما يظهر بادي الرأي أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة مع أن هذه السورة كلها مكية، وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك"تفسير ابن كثير (۳/ ٦۳)..
وبنحو الذي قاله الحافظ ابن كثير قال الحافظ ابن حجر في الفتح في معرض جمعه بين الروايتين السابقتين إذ يقول: "ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك"الفتح (۸/ ۲٥۳)..
الاعتراض الثاني: أن من لوازم القول بتعدد النزول أن يكون كل ما نزل بمكة نزل بالمدينة، إذ قد كان حبريل عليه السلام يعارض القرآن للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - كل سنة انظر: الإتقان (۱/ ۱۱٤) بتصرف..
الجواب عن هذا الاعتراض:-
إن المقارنة بين معارضة جبريل القرآن للنبي - صلى الله عليه وسلم - وبين القول بتعدد النزول قياس مع الفارق، فالمعارضة كانت تشمل كل ما نزل من القرآن إلى ذاك الوقت، وفي العام الذي توفي فيه - صلى الله عليه وسلم - عارضه به مرتين إيذاناً بقرب أجله - صلى الله عليه وسلم -، في حين أن الآيات التي تعدد نزولها تعدّ بالأصابع.
كما أن حكمة هذه المعارضة كانت تختلف عن حكمة القول بتعدد النزول، فحكمة المعارضة كانت تثبيت هذا القرآن في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلال هذه المعارضة، أما حكمة تعدد النزول فقد سبق أن ذكرنا أن الغرض من ذلك هو التذكير والموعظة وتعظيم الشأن، وكما هو مقرر في القواعد الأصولية أنه يشترط في الفرع المقيس وجود علة الأصل بتمامها انظر هذه القاعدة في: الإبهاج (۳/ ۱۰٦)، شرح الكوكب المنير (٤/ ۱۰٥).. قال صاحب المراقى:
وجود جامع به متمماً ... شرط .......... متن مراقى السعود (ص: ۱۲۱).
الاعتراض الثالث:- أن القول بأن هذه الآيات نزلت بالمدينة يلزم منه عدم اللإرتباط بما قبلها "فحملها على قصة لا تعلق لها بما قبلها يوجب حصول سوء الترتيب في كلام الله تعالى، وذلك يطرق الطعن إليه وهو في غاية البعد"تفسير الرازي (۱٤۲/ ۲۰ - ۱٤۳)..
الجواب عن هذا الاعتراض:
خطورة الاعتماد على السياق وحده دون النظر إلى الروايات الواردة في الآية.
وكم كنت أتعجب من صنيع الأستاذ دروزة الذي يأتي إلى الروايات الصحيحة فيعلق عليها بقوله: "إن سياق الآيات ومضامينها وانسجامها مع ما سبقها يسوغ الشك في هذه الروايات"انظر على سبيل المثال التفسير الحديث (۳/ ۲۱۳) و (٤/ ٥٥) و (٤/ ۹٥). ثم يرجح أخيراً ما يراه راجحاً.
وبعد هذه المقدمة لنترك دفع هذا الاعتراض العلامة الآلوسي -رحمه الله- فإنه قال معقباً على ما قاله الرازي في شأن الانفكاك الذي يحصل لو اقتصر على السبب الذي ذكرنا من نزول هذه الآيات في شأن التمثيل بقتلى أحد، قال: "وما ذكر من لزوم عدم الارتباط عليه ليس بشيء، فإن التنبيه على تلك القضية للإشارة إلى أن الدعوة لا تخلو من مثل ذلك، وأن المجادلة تنجر إلى المجالدة، فإذا وقعت فاللائق ما ذكر، فلا فرق في الارتباط بحسب المآل بين أن تكون مكية أو أن تكون مدنية، وخصوص السبب لا ينافي عموم المعنى، فالمعول عليه عدم العدول عما قاله الجمهور"روح المعاني (۱٤/ ۲٥۷)..