الكتاب: المكي والمدني في القرآن الكريم
دراسة تأصيلية نقدية للسور والآيات، من أول القرآن الكريم إلى نهاية سورة الإسراء
المؤلف: عبد الرزاق حسين أحمد
الناشر: دار ابن عفان للنشر والتوزيع - مصر
الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م
عدد الصفحات: 993
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
سورة الحج من السور المختلف فيها، حيث ذكر المفسرون فيها أقوالًا كثيرةً لم أر ذلك في غيرها من السور، وسبب اختلافهم - والله تعالى أعلم - يرجع إلى ما يلي: ۱ - تعارض الآثار المروية في نزول السورة، فآثارٌ فيها أن السورة بتمامها مدنية، وآثار أخرى أنها مكية مع استثناء بعض آياتها، وآثار تدل على نزول بعض آيات السورة بمكة، وآثار تدل على نزول بعض آياتها بالمدينة. ۲ - ما دلت عليه آيات السورة، فإنها جمعت بين خصائص السور المكية وخصائص السور المدنية، فالحديث عن التوحيد، والبعث، وذكر الأدلة، وضرب الأمثال على ذلك من خصائص السور المكية، أما الصد عن المسجد الحرام، والإذن بالقتال، والمعاقبة بالمثل فهو من علامات القرآن المدني. نزول السورة الأقوال التي ذكرت في نزولها من حيث الجملة اختلف العلماء في نزول سورة الحج - من حيث الجملة - على قولين: الأول أنها مدنية ينظر: بحر العلوم (۲/ ۳۸۳)، والبيان لابن عبد الكافي (ق ۳۷/ ب)، والتنزيل وترتيبه (ق ۳۲۳ / ب)، والنكت والعيون (۳/ ٦٦)، وتفسير ابن كثير (٥/ ٤۳۳)، والبرهان (۱/ ۱۹٤)، وتفسير أبي السعود (٦/ ۹۱).، وهذا القول مروي عن ابن عباس أخرجه ابن مردويه كما في الإتقان (۱/ ۳۷)، والدر المنثور (٦/ ۳)، وينظر: فتح القدير (۳/ ٤۳۳)، والتحرير والتنوير (۱۷/ ۱۸۰). ولم أجد له سندًا إلا أن السيوطي ذكر في الإتقان أنه من طريق ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس، ومن طريق العوفي عن ابن عباس، والطريقان ضعيفان، وإسناد العوفيين إلى عطية العوفي مسلسل بالضعفاء، وطريق العوفي من أكثر الطرق دورانًا في تفسير الطبري. قال السيوطي في الإتقان (۲/ ۱۲۳۳): "وطريق العوفي عن ابن عباس، أخرج منها ابن جرير، وابن أبي حاتم كثيرًا، والعوفي ضعيف ليس بواهٍ، وربما حسن له الترمذي". ومن أحسن من تكلم على هذا الطريق الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه لجامع البيان (۱/ ۲٦۳ - ۲٦٤).، وابن الزبير أخرجه ابن مردويه كما في الإتقان (۱/ ۳۷)، والدر المنثور (٦/ ۳)، وينظر: فتح القدير (۳/ ٤۳۳)، والتحرير والتنوير (۱۷/ ۱۸۰)، ولم أجد له سندًا. - رضي الله عنهم -، وقتادة أخرجه ابن الأنباري كما في الجامع لأحكام القرآن (۱/ ٦۱)، وفضائل القرآن لابن كثير ص (۱٦۳)، وأخرجه ابن المنذر كما في الدر المنثور (۳/ ٦)، وينظر: البيان لابن عبد الكافي (ق ۳۷/ ب)، وتفسير ابن كثير (٥/ ٤۳۳).، ومنسوب إلى مجاهد ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٤۳۳).، والضحاك هو: الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني، صدوق كثير الإرسال، روى عن الأسود بن يزيد النخعي، وعطاء، وغيرهما، واختلف في سماعه من الصحابة، وروى عنه: جويبر، ومقاتل، وغيرهما، توفي بعد المئة. ينظر: تهذيب التهذيب (٤/ ٤٥۳)، وتقريب التهذيب ص (۲۸۰).ينظر: المحرر الوجيز (۱۱/ ۱۷۳)، والجامع لأحكام القرآن (۱۲/ ۱)، والبحر المحيط (۷/ ٤۸۰)، وتفسير ابن كثير (٥/ ٤۳۳)، والإتقان (۱/ ۳۷)، وروح المعاني (۱۷/ ۱۰۹).، وعطاء بن أبي مسلم ينظر: جمال القراء (۱/ ۸).. الثاني: أنها مكية، وأصحاب هذا القول مختلفون في المستثنى من ذلك ينظر: تفسير مقاتل (۳/ ۱۱۱، ۱۱۲)، والبيان للداني ص (۱۸۹)، والوسيط (۳/ ۲۸۳)، والكشف والبيان (ق ٤٦/ أ)، ومعالم التنزيل (٥/ ۳٦۳)، والتفسير الكبير (۳/ ۲۳)، وتفسير الخازن (۳/ ۲٤۷)، وتفسير ابن كثير (٥/ ۳۸۹)، وتفسير البيضاوي (۲/ ۸۲)، وبصائر ذوي التمييز (۱/ ۳۲۳)، والإتقان (۱/ ٥۳) وفيه عن ابن الحصار: أن الحج مكية باتفاق الناس. وصرح ابن كثير بمكيتها من غير استثناء شيء من آياتها كما في الفصول في اختصار سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ص (۱۰۷ - ۱۱۸).. أدلة القائلين بمدنية سورة الحج: ۱ - ما روي عن ابن عباس، وابن الزبير أخرجه ابن مردويه كما في الإتقان (۱/ ۳۷)، والدر المنثور (٦/ ۳)، وينظر: فتح القدير (۳/ ٤۳۳)، والتحرير والتنوير (۱۷/ ۱۸۰)، ولم أجد له سندًا. - رضي الله عنهم -؛ أن سورة الحج مدنية. ۲ - ما ورد أن بعض آيات السورة نزل بالمدينة. ۳ - أنها معدودة ضمن القسم المدني في الروايات التي عددت المكي والمدني ينظر: تنزيل القرآن ص (۳۰)، وفضائل القرآن لأبي عبيد ص (۲۲۱) وفهم القرآن ص (۳۹٦)، وفضائل القرآن لابن الضريس ص (۳٤)، والفهرست ص (٤۳)، والبيان للداني ص (۱۳۳ - ۱۳٤، ۱۳۷)، ودلائل النبوة (۷/ ۱٤۲ - ۱٤۳)، وفنون الأفنان ص (۳۳۷)، وجمال القراء (۱/ ۸)، والجامع لأحكام القرآن (۱/ ٦۱)، والمدد في معرفة العدد (ق ۳٦/ أ)، وفضائل القرآن لابن كثير ص (۱٦۳)، والإتقان (۱/ ۸۲).. ٤ - ما اشتملت عليه السورة مما هو من خصائص السور المدنية كالحديث عن صد الكافرين المؤمنين عن المسجد الحرام قال ابن كثير - رحمه الله تعالى - (٥/ ٤۰۹) عند قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (۲٥)} [۲٥]: "يقول تعالى منكرًا على الكفار في صدهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام، وقضاء مناسكهم فيه، ودعواهم أنهم أولياؤه: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[الأنفال: ۳٤]. وفي هذه الآية دليل أنها مدنية، كما قال في سورة البقرة [۲۱۷]: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ}[البقرة: ۲۱۷] ".، وذكر الحج، والبدن، والإذن بالقتال، وغير ذلك. أدلة من قال بمكية سورة الحج: ۱ - ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ أن سورة الحج نزلت بمكة سوى ثلاث آيات منها، فإنهن نزلن بالمدينة، وهن: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} إلى تمام الآيات الثلاث [۱۹ - ۲۱]أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ (۲/ ٥۰۹) من طريق يموت بن المزرع، وإسناده ضعيف.. ۲ - ما روي أن بعض آيات السورة نزل بمكة. ۳ - ما اشتملت عليه السورة مما هو من خصائص السور المكية؛ كالحديث عن التوحيد، وبدء الخلق، والبعث، وضرب الأمثال على ذلك. القول الراجح: رجح القول بمكيتها - مع استثناء آيات منها وهي قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} إلى قوله: {وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}[۱۹ - ۲٤]. - الثعلبي ينظر: الكشف والبيان (ق ٤٦/ أ)، وزاد المسير (٥/ ۲۷٦). والثعلبي هو: أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، صاحب التفسير "الكشف والبيان في تفسير القرآن"، والعرائس في قصص الأنبياء، توفي سنة (٤۲۷ هـ). ينظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص (۱۷)، وطبقات المفسرين للداودي (۱/ ٦٦ - ٦۷)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص (۱۰٦).، والبغوي ينظر: معالم التنزيل (٥/ ۳٦۳). والبغوي هو: أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد البغوي الشافعي، كان إمامًا في التفسير، والحديث، والفقه، ألّف معالم التنزيل في التفسير، وشرح السُّنَّة، وغيرهما، توفي سنة (٥۱٦ هـ). ينظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص (۳۸ - ۳۹)، وطبقات المفسرين للداودي (۱/ ۱٦۱ - ۱٦۲)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص (۱٥۸ - ۱٦۰).، والزمخشري ينظر: الكشاف (۳/ ۲٤). والزمخشري هو: أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي، من أئمة المعتزلة، له الكشاف، وأساس البلاغة، وغيرهما، توفي سنة (٥۳۸ هـ). ينظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص (۱۰٤ - ۱۰٥)، وطبقات المفسرين للداودي (۲/ ۳۱٤ - ۳۱٦)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص (۱۷۲ - ۱۷۳).، والرازي ينظر: التفسير الكبير (۲۳/ ۳). والرازي هو: محمد بن عمر بن الحسين الطبرستاني الشافعي، صنف المحصول في أصول الفقه، والتفسير الكبير في التفسير، توفي سنة (٦۰٦ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (۲۱/ ٥۰۰ - ٥۰۱)، وطبقات المفسرين للداودي (۲/ ۲۱٥ - ۲۱۸)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص (۲۱۳ - ۲۱٤).، والخازن ينظر: تفسير الخازن (۳/ ۲٤۷). والخازن هو: علي بن محمد بن إبراهيم بن خليل الشِّيحي البغدادي الصوفي، المعروف بالخازن، له تفسير سماه: لباب التأويل في معاني التنزيل، توفي سنة (۷٤۱ هـ). ينظر: الدرر الكامنة (۳/ ۱۷۱)، وطبقات المفسرين للداودي (۱/ ٤۲٦ - ٤۲۷)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص (۲٦۷، ۲٦۸).، والبيضاوي ينظر: تفسير البيضاوي (۲/ ۸۲). والبيضاوي هو: عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي، له تفسير اسمه: أنوار التنزيل أسوار التأويل، والمنهاج في أصول الفقه، وغيرهما. ينظر: طبقات الشافعية (۸/ ۱٥۷ - ۱٥۸)، وطبقات المفسرين للداودي (۱/ ۲٤۸ - ۲٤۹)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص (۲٥٤ - ۲٥٥).، والفيروزآبادي ينظر: بصائر ذوي التمييز (۱/ ۳۲۳).. ورجح آخرون أن السورة مختلطة؛ فيها مكي ومدني. قال ابن عطية: "وقال الجمهور: السورة مختلطة، فيها مكي ومدني، وهذا هو الأصح - والله أعلم -؛ لأن الآيات تقتضي ذلك"المحرر الوجيز (۱۱/ ۱۷۳)، ومثل قول ابن عطية قال جماعة من المفسرين، ينظر: الجامع لأحكام القرآن (۱۲/ ۱)، والبحر المحيط (۷/ ٤۸۰)، وتفسير الثعالبي (۳/ ٦۹)، والإتقان (۱/ ۳۷)، وفتح القدير (۳/ ٤۳۳)، وروح المعاني (۱۷/ ۱۱۰)، والتحرير والتنوير (۱۷/ ۱۸۰).. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "سورة الحج فيها مكي ومدني"مجموع الفتاوى (۱٥/ ۲٦٦)، ونحوه قال ابن القيم في زاد المعاد (۳/ ۷۱). وقال هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ ص (۱۳٦): "نزلت في مواطن مختلفة، وهي من أعاجيب سور القرآن؛ لأنها نزلت ليلًا ونهارًا، وفيها مكي ومدني، وسفري وحضري، وحربي وسلمي، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه". وينظر: زاد المسير (٥/ ۲۷٦ - ۲۷۷)، والجامع لأحكام القرآن (۱۲/ ۱)، ومصاعد النظر (۲/ ۲۹۲ - ۲۹۳)، وفتح القدير (۳/ ٤۳۳).. قلت: ما ترجح عندي - والله تعالى أعلم - هو القول بمدنيتها من غير استثناء شيء من آياتها؛ وذلك لما يلي: ۱ - اتفاق الروايات على تعدادها ضمن السور المدنية، وثبوت مدنية بعض آياتها. ۲ - ضعف الأثر المروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. ۳ - عدم ثبوت ما يدل على مكية أي من آياتها. ٤ - أن ما ذكر مما هو من خصائص السور المكية لا يكفي للقول بمكيتها، أو مكية الآيات التي تحدثت عن ذلك، فإن الحكم بمكية السورة أو مدنيتها لا بد فيه من الأثر، ثم إن كثيرًا من الخصائص المذكورة للسور المكية موجود في بعض السور المدنية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "لكن في السور المدنية خطاب {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} كما في سورة النساء، وسورة الحج، وهما مدنيتان، وكذا في البقرة"مجموع الفتاوى (۱٥/ ۱٦۰).. الأقوال التي ذكرت في نزولها بالتفصيل اختلف العلماء في نزولها على أقوال كثيرة، ألخصها فيما يلي: ۱ - أنها مكية إلا قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ} والتي تليها [۱۱ - ۱۲]، وهذا القول منسوب إلى ابن عباس ينظر: النكت والعيون (۳/ ٦٦)، وزاد المسير (٥/ ۲۷٦)، ونسبه ابن عبد الكافي (ق ۳۷/ ب) لابن المبارك.. ۲ - أنها مكية إلا ثلاث آيات من قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}، الآيات [۱۹ - ۲۱]، وهذا القول مروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ (۲/ ٥۰۹) من طريق يموت بن المزرع، وهو إسناد ضعيف. وينظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ۳۷۱)، والبيان لابن عبد الكافي (ق ۳۷/ ب)، والبيان للداني ص (۱۸۹)، وتفسير أبي المظفر (۳/ ٤۱٦) وقال: "في أظهر الروايتين"، والمحرر الوجيز (۱۱/ ۱۷۳)، والجامع لأحكام القرآن (۱۲/ ۱)، والبحر المحيط (۷/ ٤۸۰)، وتفسير الثعالبي (۳/ ٦۹)، وتفسير القاسمي (۱۲/ ٤)، والتحرير والتنوير (۱۷/ ۱۸۰).، ومنسوب إلى مجاهد ينظر: البيان للداني ص (۱۸۹)، والمحرر الوجيز (۱۱/ ۱۷۳)، والجامع لأحكام القرآن (۱۲/ ۱)، والبحر المحيط (۷/ ٤۸۰)، وتفسير الثعالبي (۳/ ٦۹).، وعطاء بن يسار ينظر: مصاعد النظر (۲/ ۲۹۰، ۲۹۱).، وعطاء بن السائب ينظر: زاد المسير (٥/ ۲۷٦)، وذكره ابن عبد الكافي (ق ۳۷/ ب)، ونسبه إلى عطاء على الإطلاق. وعطاء بن السائب هو: أبو محمد، ويقال: أبو السائب، الثقفي، الكوفي، صدوق اختلط، روى عن مجاهد، وعكرمة، وابن جبير، والحسن، وغيرهم، توفي سنة (۱۳٦ هـ). ينظر: الطبقات الكبرى (٦/ ۳۳۸)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ۱۱۰ - ۱۱٤)، وتقريب التهذيب ص (۳۹۱).. ۳ - أنها مكية إلا أربع آيات، من قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} إلى قوله {عَذَابَ الْحَرِيقِ}[۱۹ - ۲۲]. وهذا القول منسوب إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ينظر: البيان للداني ص (۱۸۹)، والمحرر الوجيز (۱۱/ ۱۷۳)، والجامع لأحكام القرآن (۱۲/ ۱)، والمدد في معرفة العدد، (ق ٥٦/ ب)، والبحر المحيط (۷/ ٤۸۰)، وروح المعاني (۱۷/ ۱۰۹).. ٤ - أنها مكية إلا ست آيات، من قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} إلى قوله: {وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}[۱۹ - ۲٤]. وهذا القول منسوب إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ينظر: البيان للداني ص (۱۸۹).، وعطاء بن يسار ينظر: البيان للداني ص (۱۸۹)، ونسبه الجعبري في المدد في معرفة العدد (ق ٥٦/ ب) إلى عطاء بدون تقييد. رحمه الله تعالى. ٥ - أنها مكية إلا قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} والتي تليها [۳۹ - ٤۰]. وهذا القول منسوب إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ينظر: جمال القراء (۱/ ۱٤)، وفي تفسير أبي المظفر (۳/ ٤۱٦) نسب إليه استثناء الآية الأولى منهما.، وبه قال مقاتل - رحمه الله تعالى - تفسيره (۳/ ۱۱۲)، وينظر: جمال القراء (۱/ ۱٤).. ٦ - أنها مكية إلا السجدتين والسجدتان هما قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} الآية، [۱۸]، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} الآية [۷۷].. وهذا القول منسوب إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ينظر: جمال القراء (۱/ ۱٤)، ونسب ابن عبد الكافي (ق ۳۷/ ب) استثناء الآية [۷۷] إلى ابن المبارك.. ۷ - أنها مكية إلا عشر آيات هي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} إلى قوله تعالى: {وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيد}[۱ - ۲]، وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ} الآية [۱۱]، وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} الآية [۱٥]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} الآية [۲٥]، وقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (۳۹) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤۰)} وقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّك}[٥٤]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥۸) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥۹)}. وهذا قول مقاتل - رحمه الله تعالى - تفسيره (۳/ ۱۱۱ - ۱۱۲)، ولم يذكر الآية الخامسة عشر، وأضفتها من جمال القراء (۱/ ۱٤).. ۸ - أنها مدنية إلا أربع آيات، وهي قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥۲) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥۳) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)}. وهذا القول مروي عن قتادة أخرجه عنه الحارث المحاسبي في فهم القرآن ص (۳۹٥ - ۳۹٦)، وابن المنذر كما في الدر المنثور (٦/ ۳)، وفتح القدير (۳/ ٤۳۳)، وروح المعاني (۱۷/ ۱۱۰)، وينظر القول في: البيان للداني ص (۱۸۹)، والمحرر الوجيز (۱۱/ ۱۷۳)، والجامع لأحكام القرآن (۱۲/ ۱)، والمدد في معرفة العدد (ق ٥٦/ ب)، والبحر المحيط (۷/ ٤۸۰)، ومصاعد النظر (۲/ ۲۹۲)، والتحرير والتنوير (۱۷/ ۱۸۰).، ومنسوب إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ينظر: النكت والعيون (۳/ ٦٦)، وزاد المسير (٥/ ۲۷٦)، والتحرير والتنوير (۱۷/ ۱۸۰).، والضحاك، والحسن ينظر: التحرير والتنوير (۱۷/ ۱۸۰). وقال به أبو السعود في تفسيره (٦/ ۹۱).. ۹ - أنها مدنية إلى قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ}[۳۷]، وسائرها مكي قال به أبو سليمان الدمشقي كما في زاد المسير (٥/ ۲۷٦)، ومصاعد النظر (۲/ ۲۹۲).. الآيات التي قيل باستثنائها الآيات التي قيل باستثنائها عند من يقول بمكيتها ويتضمن: ۱ - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (۱) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ (۲)}. قال بمدنية هاتين الآيتين مقاتل - رحمه الله تعالى - تفسيره (۳/ ۱۱۱)، وينظر: جمال القراء (۱/ ۱٤).. دليله: ما جاء عن أنس بن مالك هو: أنس بن مالك بن النضر الخزرجي، أبو حمزة، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحد المكثرين من الرواية عنه، دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم -، خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر وهو غلام يخدمه، كان آخر الصحابة موتًا بالبصرة سنة (۹۳ هـ). ينظر: الاستيعاب (۱/ ۱۹۸ - ۲۰۰)، وأسد الغابة (۱/ ۱٥۱ - ۱٥۲)، والإصابة (۱/ ۷۱ - ۷۲). - رضي الله عنه -؛ أنه قال: "نزلت: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (۱ ض) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ (۲)}. قال: نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في مسير له، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه، فقال: "أتدرون أي يوم هذا؟ يوم يقول الله لآدم: يا آدم قم فابعث بعث النار، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدًا إلى الجنة"، قال: فَكَبُر ذلك على المسلمين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سددوا وقاربوا وأبشروا، فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة الشامة هي: علامة تخالف لون البدن الذي هي فيه، وهي الخال. ينظر: الصحاح (٥/ ۱۹٦۳) مادة: (شيم)، وتاج العروس (۸/ ۳٦۲) مادة: (شيم). في جنب البعير، وكالرقمة الرقمة هي: الهَنة الناتئة في ذراع الدابة من داخل، وهما رقمتان في ذراعيها. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (۲/ ۲٥٤)، ومجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار لمحمد طاهر الفتّني (۲/ ۳٦۸). في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من كفرة الإنس والجن""أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (۲/ ۳۱) من طريق معمر عن قتادة وأبان عن أنس، ورجاله ثقات، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه عبد بن حميد كما في المنتخب من مسنده ص (۲۲۲) رقم (۱۱۸٥)، وأبو يعلى (٥/ ٤۳۰ - ٤۳۱) رقم (۳۱۲۲)، وابن حبان في صحيحه (۱٦/ ۳٥۲) رقم (۷۳٥٤)، والحاكم (۱/ ۸۲) رقم (۷۹). وأخرجه ابن جرير (۱۷/ ۱۱۲) من طريق يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر به، ورجاله ثقات، وأخرجه من طريق آخر ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٥/ ۳۹۲). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (۱۰/ ۳۹٤): "رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن مهدي، وهو ثقة". وأخرجه أحمد (٤/ ٥۷۹) رقم (۱۹۸۲۷)، والترمذي في سننه، أبواب التفسير، سورة الحج (٥/ ٥) رقم (۳۲۱۷) عن عمران بن حصين - رضي الله عنه -، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان الذي قال عنه ابن حجر في التقريب ص (٤۰۱): "ضعيف". وأخرجه الطبراني (۱۸/ ۱٤٥، ۱٥۱، ۱٥٥ - ۱٥٦) رقم (۳۰۸، ۳۲۸، ۳٤۰) من طرق عن الحسن عن عمران بن حصين. وأخرجه ابن إسحاق كما في الكافي الشاف ص (۱۱۲)، وابن مردويه كما في الدر المنثور (٦/ ٦) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهو طريق ضعيف، قال ابن حجر في التقريب ص (۱۲۰): "أبو صالح ضعيف يرسل"، وقال عن الكلبي ص (٤۷۹): "متهم بالكذب، ورمي بالرفض"، ونقل في تهذيب التهذيب (۹/ ۱۷۸) عن الكلبي قوله: "ما حدثت عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب، فلا ترووه". ويشهد له ما جاء عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقول الله - عز وجل -: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير بين يديك. قال يقول: أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذاك حين يشيب الصغير، {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ}، قال: فاشتد ذلك عليهم .. " الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة الحج، باب: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى}(٥/ ۲٤۱)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قوله: يقول الله لآدم: أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين (۱/ ۲۰۱ - ۲۰۲) رقم (۲۲۲).. فهذا الأثر يدل على مدنية هاتين الآيتين. ۲ - قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (۱۱) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (۱۲)}. نسب القول باستثنائهما إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ينظر: النكت والعيون (۳/ ٦٦)، وزاد المسير (٥/ ۲۷٦)، ونسبه ابن عبد الكافي في البيان (ق ۳۷/ ب) لابن المبارك. وقال مقاتل في تفسيره (۳/ ۱۱۲) باستثناء الآية الأولى منهما.. أدلة هذا القول: أ - ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "كان ناس من الأعراب يأتون النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا صالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير. فأنزل الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ}[الحج:۱۱]أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور (٦/ ۱۳) ولم أجد له سندًا، وذكر نحوه الفراء في معاني القرآن (۲/ ۲۱٦ - ۲۱۷) بدون نسبة. وأخرج البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة الحج، باب {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ}(٥/ ۲٤۲) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ} قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته كلامًا ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء"، فهذا الأثر شاهد له، إلا أنه ليس فيه التصريح بنزول الآية. وقال مقاتل (۳/ ۱۱۲): "نزلت في أناس من أعراب أسد بن خزيمة وغطفان".. ب - ما روي عن أبي سعيد هو: سعد بن مالك بن سنان الخزرجي، أبو سعيد الخدري، مشهور بكنيته، استصغر بأحد، واستشهد أبوه بها، وغزا هو ما بعدها، وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الكثير، توفي سنة (۷٤ هـ)، وقيل غير ذلك. ينظر: الاستيعاب (٤/ ۲۳٥)، وأسد الغابة (۲/ ۳٦٥، ٦/ ۱٤۲)، والإصابة (۲/ ۳٥). - رضي الله عنهما -؛ أنه قال: "أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أقلني. فقال: "إن الإسلام لا يُقال". فقال: لم أصب في ديني هذا خيرًا، ذهب بصري ومالي ومات ولدي ... فقال: "يا يهودي، الإسلام يَسْبُكُ الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة". ونزلت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ}أخرجه ابن مردويه كما في تخريج أحاديث الكشاف (۲/ ۳۷۹)، وفي إسناده محمد بن عبيد الله العزرمي، قال عنه ابن حجر في التقريب ص (٤۹٤): "متروك"، وفيه عطية العوفي أيضًا. قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (۲/ ۳۷۹): "غريب عن الخدري". وضعف إسناده ابن حجر في الفتح (۸/ ٤٤۳)، وفي الكافي الشاف ص (۱۱۲)، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص (۳۱٦ - ۳۱۷) عن عطية عن ابن عباس، ولم يذكر الإسناد. وأخرجه العقيلي في الضعفاء (۳/ ۳٦۸) عن جابر؛ ولم يذكر فيه نزول الآية. وقال ابن حجر في الكافي الشاف ص (۱۱۲) بعد ذكره له: "ولم يذكر فيه نزول الآية. وعنبسة ضعيف جدًّا".. فهذان الأثران يدلان على مدنية قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ} لكنهما لم يصحا؛ ولذا فالآيتان تابعتان للسورة، ولا يصح استثناؤهما. ثم إن هاتين الآيتين مرتبطتان بالآية التي بعدهما ارتباطًا وثيقًا، وهي قوله تعالى: {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (۱۳)}. فكيف يقال باستثنائهما دون هذه الآية! والله أعلم. ۳ - قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (۱٥)}. نسب القول باستثنائها إلى مقاتل ينظر: جمال القراء (۱/ ۱٤).، ولم أجد له دليلًا. ٤ - قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (۱۸)}. نسب القول باستثنائها إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ينظر: جمال القراء (۱/ ۱٤).، ولم أجد له دليلًا. وحيث إن القول باستثناء هاتين الآيتين لا دليل عليه، فإن القول بتبعيتهما للسورة هو المقدم والمعول عليه - والله أعلم -. ٥ - قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (۱۹) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (۲۰) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (۲۱) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (۲۲) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (۲۳) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (۲٤)}. روي القول باستثناء الآيات الثلاث الأولى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ (۲/ ٥۰۹) من طريق يموت بن المزرع، وهو إسناد ضعيف، وينظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ۳۷۱)، والبيان لابن عبد الكافي (ق ۳۷/ ب)، والبيان للداني ص (۱۸۹)، وتفسير أبي المظفر (۳/ ٤۱٦)، والمحرر الوجيز (۱۱/ ۱۷۳)، والجامع لأحكام القرآن (۱۲/ ۱)، والبحر المحيط (۷/ ٤۸۰)، وتفسير الثعالبي (۳/ ٦۹)، وتفسير القاسمي (۱۲/ ٤)، والتحرير والتنوير (۱۷/ ۱۸۰).، ونسب إلى مجاهد ينظر: البيان للداني ص (۱۸۹)، والمحرر الوجيز (۱۱/ ۱۷۳)، والجامع لأحكام القرآن (۱۲/ ۱)، والبحر المحيط (۷/ ٤۸۰)، وتفسير الثعالبي (۳/ ٦۹).، وعطاء بن يسار ينظر: مصاعد النظر (۲/ ۲۹۰، ۲۹۱).، وعطاء بن السائب ينظر: زاد المسير (٥/ ۲۷٦). ونسبه ابن عبد الكافي (ق ۳۷/ب) إلى عطاء على الإطلاق.. أما الآيات الأربع الأولى فالقول باستثنائها منسوب إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ينظر: البيان للداني ص (۱۸۹)، والمحرر الوجيز (۱۱/ ۱۷۳)، والجامع لأحكام القرآن (۱۲/ ۱)، والمدد في معرفة العدد (ق ٥٦/ ب)، والبحر المحيط (۷/ ٤۸۰)، وروح المعاني (۱۷/ ۱۰۹).. وكذلك نسب إلى ابن عباس، وعطاء بن يسار ينظر: البيان للداني ص (۱۸۹). القول باستثناء الآيات الست قال الجعبري في المدد في معرفة العدد (ق ٥٦/ ب): "قال ابن عباس: مكية إلا أربعًا، وعطاء إلا ستًا، كأنه عد الحميم والجلود، ولم يعدهما [ابن عباس] ". وقال به: الثعلبي (ق ٤٦/ أ)، والبغوي (٥/ ۳٦۳)، والزمخشري (۳/ ۲٤)، والخازن (۳/ ۲٤۷)، والبيضاوي (۲/ ۸۲)، والفيروزآبادي في بصائر ذوي التمييز (۱/ ۳۲۳)، وينظر: التفسير الكبير (۲۳/ ۳)، وتفسير الجلالين ص (٤۳۲).. أدلة هذا القول: أ - ما جاء عن قيس بن عباد هو: قيس بن عباد القيسي الضبعي، أبو عبد الله البصري، قدم المدينة في خلافة عمر، وروى عنه، وعن علي، وأبي ذر، وغيرهم، وروى عنه الحسن، وابن سيرين، وغيرهما، ثقة، مخضرم، مات بعد الثمانين. ينظر: تهذيب التهذيب (۸/ ٤۰۰)، وتقريب التهذيب ص (٤٥۷).؛ أنه قال: "سمعت أبا ذر يقسم قسمًا إنّ: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة هو: حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو عمارة، عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولد قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنتين، وقيل: بأربع، وأسلم في السنة الثانية من البعثة، هاجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستشهد بأحد سنة ثلاث هجرية، قتله وحشي. ينظر: الاستيعاب (۱/ ٤۲۳ - ٤۲۷)، وأسد الغابة (۲/ ٥۱ - ٥٥)، والإصابة (۱/ ۳٥۳، ۳٥٤).، وعلي هو: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الحسن، ولد قبل البعثة بعشر سنين - على الصحيح -، فربّى في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفارقه، من أوائل من أسلم. شهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك حيث استخلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - على المدينة، زوجه النبي - صلى الله عليه وسلم - بنته فاطمة، وكان أحد الشورى الذين نص عليهم عمر. توفي سنة (٤۰) من الهجرة. ينظر: الاستيعاب (۳/ ۱۹۷ - ۲۲٥)، وأسد الغابة (٤/ ۹۱ - ۱۲٥)، والإصابة (۲/ ٥۰۷ - ٥۱۰).، وعبيدة بن الحارث هو: عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف القرشي، أسلم قديمًا، وكان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة، ثم هاجر. قال ابن إسحاق: أول سرية بعثها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عبيدة بن الحارث وجميعهم من المهاجرين، ثم شهد بدرًا، وفيها قطعت رجله في المبارزة، ومات بعد ذلك. ينظر: السيرة النبوية لابن هشام (۱/ ٥۹۱)، والاستيعاب (۳/ ۱٤۱)، والإصابة (۲/ ٤٤۹).، وعتبة هو: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أبو الوليد، كبير قريش، وأحد سادتها في الجاهلية. أدرك الإسلام، وطغى، فشهد بدرًا مع المشركين، وقتله فيها عبيدة بن الحارث. ينظر: السيرة النبوية لابن هشام (۱/ ۲٦٤، ٦٦٥، ۷۰۹)، والأعلام (٤/ ۲۰۰). وشيبة هو: شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، من زعماء قريش في الجاهلية. أدرك الإسلام ولم يسلم، وحضر بدرًا مع المشركين، وقتله فيها حمزة بن عبد المطلب. ينظر: السيرة النبوية لابن هشام (۱/ ۲٦٤، ۷۰۹)، والأعلام (۳/ ۱۸۱). ابني ربيعة، والوليد بن عتبة هو: الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، حضر بدرًا مع المشركين، وقتله فيها علي بن أبي طالب. ينظر: السيرة النبوية لابن هشام (۱/ ٦۲٥، ۷۰۹)، والكامل لابن الأثير (۲/ ۸٦، ۸۷). " أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة الحج، باب في قوله: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}(٥/ ۲٤۲)، ومسلم في صحيحه، كتاب التفسير، باب في قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}(٤/ ۲۳۲۳) رقم (۳۰۳۳).. ب - ما جاء عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -؛ أنه قال: "أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة". قال قيس: "وفيهم نزلت: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} قال: هم الذين بارزوا يوم بدر، علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة"أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة الحج، باب قوله: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}(٥/ ۲٤۲).. فهذان الأثران يدلان على نزول هذه الآيات بعد وقعة بدر؛ فهن مدنيات، والذي يظهر أن الآيات الست مرتبطة ببعضها، فبعد ذكر الخصمين جاء بيان ما أعد لكل فريق. وهذا السبب وإن كان خاصًّا، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ينظر تفصيل هذه المسألة في: المستصفى من علم الأصول للغزالي (۲/ ٦۰، ٦۱)، وروضة الناظر وجُنّة المناظر لابن قدامة (۲/ ۱٤۱ - ۱٤٥)، ومقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية ص (٤۳ - ٤۷)، والإتقان (۱/ ۹٥ - ۹۸)، ومناهل العرفان (۱/ ۱۱۸ - ۱۲۲)، ومباحث في علوم القرآن ص (۸۳ - ۸٥).. ٦ - قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (۲٥)}. قال بمدنية هذه الآية مقاتل - رحمه الله تعالى تفسيره (۳/ ۱۱۱)، وينظر: جمال القراء (۱/ ۱٤).. دليل هذا القول: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ أنه قال في قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ}: "نزلت في عبد الله بن أنيس لم يذكر من الصحابة بهذا الاسم من غير الأنصار إلا عبد الله بن أنيس العامري، وترجم له ابن حجر في عبد الله بن عامر، وليس هذا قطعًا، فلم يرد في ترجمته أنه ارتد عن الإسلام، والله أعلم. ينظر: الاستيعاب (۳/ ۷)، وأسد الغابة (۳/ ۱۷۸ - ۱۸۱)، والإصابة (۲/ ۲۷۸، ۲۷۹، ۳۲۸). وفي تفسير مقاتل (۳/ ۱۱۱) نزلت في عبد الله بن أنس بن خطل، ولم أجد له ترجمة.، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه مع رجلين، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري، ثم ارتد عن الإسلام، وهرب إلى مكة، فنزلت فيه: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ}؛ يعني: من لجأ إلى الحرم بإلحاد؛ يعني: بميل عن الإسلام" أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٥/ ٤۱۲) وفيه: "قال ابن أبي حاتم، حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس"، وفي إسناده ابن لهيعة، واسمه عبد الله، قال عنه ابن حجر في التقريب ص (۳۱۹): "صدوق، خلط بعد احتراق كتبه"، وذكر ابن حجر هذا الطريق من روايات الضعفاء عن ابن عباس، حيث قال في العجاب (۱/ ۲۱٤): "ومنهم عطاء بن دينار، وفيه لين. روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس تفسيرًا. رواه عنه ابن لهيعة، وهو ضعيف". ولم أجد أحدًا - فيما اطلعت عليه - ذكر أن يحيى بن بكير روى عنه قبل الاختلاط.. ففي هذا الأثر دلالة على مدنية هذه الآية، لكنه لم يصح، ولذا فالآية تابعة للسورة، ولا يقال بمدنيتها اعتمادًا على هذا الأثر. قال ابن كثير - رحمه الله تعالى - عند تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى منكرًا على الكفار في صدهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام، وقضاء مناسكهم فيه، ودعواهم أنهم أولياؤه: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[الأنفال: ۳٤]. وفي هذه الآية دليل على أنها مدنية، كما قال في سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ}[۲۱۷] " تفسيره (٥/ ٤۰۹).. ۷ - قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (۳۹) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤۰)}. نسب القول بمدنية هاتين الآيتين إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ينظر: جمال القراء (۱/ ۱٤)، وفي تفسير أبي المظفر (۳/ ٤۱٦) نسب إليه استثناء الآية الأولى منهما.، وقال به مقاتل - رحمه الله تعالى تفسيره: (۳/ ۱۱۲)، وينظر: جمال القراء (۱/ ۱٤).. دليل هذا القول: ما جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ أنه قال: "لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة قال أبو بكر هو: عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي، أبو بكر الصديق، خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة، وسبق إلى الأيمان به، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كلها، توفي سنة (۱۳ هـ). ينظر: الاستيعاب (۳/ ۹۱ - ۱۰۲)، وأسد الغابة (۳/ ۳۰۹ - ۳۳٥)، والإصابة (۲/ ۳٤۱ - ۳٤٤).: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فنزلت: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (۳۹)} قال: فعرف أنه سيكون قتال. قال ابن عباس: هي أول آية نزلت في القتال" أخرجه أحمد في المسند (۱/ ۲٦۸) رقم (۱۸٦٤)، والترمذي في سننه، أبواب التفسير، سورة الحج (٥/ ۷) رقم (۳۲۲۱) وليس فيه قول ابن عباس، والنسائي في تفسيره (۲/ ۸۸)، والطبري (۱۷/ ۱۸۲)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٥/ ٤۳۳، ٤۳٤)، وابن حبان في صحيحه (۱۱/ ۸) رقم (٤۷۱۰)، والطبراني (۱۲/ ۱۳) رقم (۱۲۳۳٦) وليس فيه قول ابن عباس، والحاكم (۲/ ٤۲۲ - ٤۲۳، ۳/ ۸ - ۹) رقم (۳٤٦۹، ٤۲۷۱) وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقال ابن القيم في زاد المعاد (۳/ ۷۱): "إسناده على شرط الصحيحين". وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في شرحه للمسند (۳/ ۲٦۱ - ۲٦۲)، والشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي (۳/ ۷۹)، وصحيح سنن النسائي (۲/ ٦٤٦)، وينظر: أسباب النزول للواحدي ص (۳۱۸ - ۳۱۹)، ومرويات الإمام أحمد في التفسير (۳/ ۲۱۷ - ۲۱۸)، وحاشية مسند الإمام أحمد (۳/ ۳٥۹) الرسالة. وأخرجه النسائي في تفسيره (۲/ ۹۰) عن عائشة - رضي الله عنهما - أن هذه الآية أول آية نزلت في القتال. قال ابن حجر في الفتح: (۷/ ۲۸۰): "إسناده صحيح".. فهذه الآية مدنية أخذًا من هذا الأثر، إذ ما نزل في سفر الهجرة مدني قال النحاس في الناسخ والمنسوخ (۲/ ٤۸٥): "وما نزل بين مكة والمدينة فهو مدني"، وينظر: المحرر الوجيز (٥/ ٥)، والاقتداء في معرفة الوقف والابتداء لابن النكزاوي (۱/ ۹٤۲).، وما بعدها متعلق بها، فالقول بمدنيتها هو الأظهر لارتباط الآيتين، والله أعلم. ۸ - قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)} [٥٤]. قال بمدنية هذه الآية مقاتل - رحمه الله تعالى -، وقال: "نزلت في أهل التوراة"تفسيره (۳/ ۱۱۱)، وينظر: جمال القراء (۱/ ۱٤). والاستدلال على مدنيتها بنزوله في أهل التوراة على فرض صحته لا يكفي، فكم من الآيات التي تحدثت عن أهل الكتاب في السور المكية.، ولم أجد ما يدل عليه. قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل، المؤمنون بالله ورسوله، أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك، الذي أنزله بعلمه وحفظه وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب حكيم"تفسيره (٥/ ٤٤٦).. ۹ - قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥۸) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥۹)}. قال بمدنية هاتين الآيتين مقاتل - رحمه الله تعالى - تفسيره (۳/ ۱۱۱). وقال بمدنيتها السمرقندي في بحر العلوم (۲/ ٤۰۲).، وقال: "وذلك أن نفرًا من المسلمين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: نحن نقاتل المشركين فنقتل منهم ولا نستشهد فما لنا شهادة، فأشركهم الله - عز وجل - جميعًا في الجنة، فنزلت فيهم آيتان"تفسيره (۳/ ۱۱۱). وقال بمدنيتها السمرقندي في بحر العلوم (۲/ ٤۰۲)، ولم أجد أحدًا روي عنه الأثر غير مقاتل، وينظر: المحرر الوجيز (۱۱/ ۲۱٤)، والجامع لأحكام القرآن (۱۲/ ۸۸)، والبحر المحيط (۷/ ٥۲۸، ٥۲۹)، وروح المعاني (۱۷/ ۱۸۸).. وهذا الذي قاله مقاتل لم أجد ما يدل عليه، وإن كان ظاهر الآيتين يدل على نزولهما في المدينة؛ إذ الجهاد والقتل في سبيل الله لم يكن إلا بعد الهجرة، ولكن هذا لا يكفي للحكم على مدنيتها؛ ولذا فهما تابعتان للسورة، والله أعلم. ۱۰ - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (۷۷)}. نسب القول باسثثناء هذه الآية إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ينظر: جمال القراء (۱/ ۱٤). ونسبه ابن عبد الكافي في البيان (ق ۳۷/ ب) لابن المبارك، ونقل عنه قوله: "كل شيء في القرآن يا آيها الذين آمنوا فهو مدني، وكل شيء فيه يا أيها الناس فمنه مكي ومنه مدني".، ولم أجد ما يدل عليه؛ ولذا فهي كسائر آيات السورة، ولا يصح استثناؤها، والله أعلم. الآيات التي قيل باستثنائها عند من يقول بمدنيتها ويتضمن: ۱ - قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥۲) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥۳) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)}. روي القول باستثناء هذه الآيات من مدنية السورة عن قتادة - رحمه الله تعالى - أخرجه الحارث المحاسبي في فهم القرآن ص (۳۹٥، ۳۹٦)، وابن المنذر كما في الدر المنثور (٦/ ۳)، وفتح القدير (۳/ ٤۳۳)، وروح المعاني (۱۷/ ۱۱۰)، وينظر القول في: البيان للداني ص (۱۸۹)، والمحرر الوجيز (۱۱/ ۱۷۳)، والجامع لأحكام القرآن (۱۲/ ۱)، والمدد في معرفة العدد (ق ٥٦/ ب)، والبحر المحيط (۷/ ٤۸۰)، ومصاعد النظر (۲/ ۲۹۲)، والتحرير والتنوير (۱۷/ ۱۸۰). وهو منسوب إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ينظر: النكت والعيون (۳/ ٦٦)، وزاد المسير (٥/ ۲۷٦)، والتحرير والتنوير (۱۷/ ۱۸۰). والضحاك، والحسن رحمهما الله ينظر: التحرير والتنوير (۱۷/ ۱۸۰). وقال به أبو السعود في تفسيره (٦/ ۹۱).. دليل هذا القول: ما روى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة، فقرأ سورة النجم حتى انتهى إلى {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (۱۹) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (۲۰)}، فجرى على لسانه: تلك الغرانيق العلى، الشفاعة منهم ترتجى، قال: فيسمع ذلك مشركو أهل مكة، فسرّوا بذلك، فاشتد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ ... }" [الحج:٥۲] "أخرجه البزار كما في كشف الأستار (۳/ ۷۲) رقم (۲۲٦۳)، والطبراني (۱۲/ ٤۳) رقم (۱۲٤٥۰)، وابن مردويه كما في فتح الباري (۸/ ٤۳۹) كلهم من طريق أمية بن خالد، ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، لكن شك أمية في رفعه. قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (۲/ ۳۹۱): "هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد متصل يجوز ذكره، إلا بهذا الإسناد، ولا نعلم أحدًا أسند هنا الحديث عن شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد، عن ابن عباس إلا أمية، ولم نسمعه نحن إلا من يوسف بن حماد، وكان ثقة، وغير أمية يحدث به، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير مرسلًا، وإنما يعرف هذا الحديث عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وأمية ثقة مشهور". اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (۷/ ۱۱٥): "رواه البزار والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح". وقال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٦٥): "رجاله ثقات". قال ابن حجر في النكت على كتاب ابن الصلاح (۱/ ۲۷٤): "ولا يلزم من كون رجال الإسناد من رجال الصحيح أن يكون الحديث الوارد به صحيحًا؛ لاحتمال أن يكون فيه شذوذ أو علة". وما قاله ابن حجر ينطبق على حال هذا الحديث، فإن الشك الوارد في رفعه يمنع الجزم بصحته، ثم إن أقران أمية بن خالد من تلاميذ شعبة يروونه مرسلًا، فقد أخرج ابن جرير من طريق ابن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر، ومن طريق ابن المثنى، قال: ثني عبد الصمد، كلاهما قال: حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير مرسلًا. وأخرجه ابن مردويه كما في فتح الباري (۸/ ٤۳۹) من طريق عكرمة، وأبي صالح، وسليمان التيمي عمن حدثه، ثلاثتهم عن ابن عباس، وكذا أخرجه الطبري من طريق عطية العوفي، وكلها طرق ضعيفة كما قال ابن حجر. وقد روي من طرق أخرى مرسلة؛ ولذا فالحديث لا يثبت من ناحية السند، ولو ثبت من ناحية السند لم يثبت من ناحية المتن، وقد تكلم العلماء قديمًا وحديثًا على هذا الحديث، وأنه غير ثابت، ومن هؤلاء ابن العربي في كتابه أحكام القرآن (۳/ ۳۰۳ - ۳۰۷)، والقاضي عياض في كتابه الشفا في حقوق المصطفى (۲/ ۱۲۰ - ۱۲۱، ۱۲٤ - ۱۳۲)، والزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (۲/ ۳۹۱ - ۳۹٥)، والشوكاني في فتح القدير (۳/ ٤٦۰)، والألوسي في روح المعاني (۱۷/ ۱۷٦ - ۱۸٦)، ومحمد بن محمد أبو شهبة في الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص (۳۱٤ - ۳۲۳)، والشيخ الألباني في نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، وتلميذه علي بن حسن الحلبي الأثري في دلائل التحقيق لإبطال قصة الغرانيق رواية ودراية. وينظر: فتح الباري (۸/ ٤۳۹ - ٤٤۰)، والكافي الشاف ص (۱۱٤).. فهذا الأثر لا يصح، وهذه القصة باطلة، ولذا فلا يحكم بمكية هذه الآيات أخذًا من ظاهر هذا الأثر، بل هن تابعتان للسورة، ما لم يرد ما يخصصهن - والله أعلم -. ۲ - قيل: إن أولها مدني إلى قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ}[۳۷] وسائرها مكي قاله أبو سليمان الدمشقي كما في زاد المسير (٥/ ۲۷٦)، ومصاعد النظر (۲/ ۲۹۲).. وهذا القول لم أجد له دليلًا. الخلاصة: سبقت الإشارة إلى ترجيح القول بمدنية السورة بكاملها، ولعل ما يعضد ذلك القول ما جاء في نزول بعض آيات السورة في المدينة، وعدم صحة ما استدل به من قال بنزول بعض آياتها بمكة مما سبق بيانه. وختامًا أذكر ما قاله ابن القيم هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، أبو عبد الله الدمشقي، الشهير بابن قيم الجوزية، الفقيه، الأصولي، المفسر، النحوي، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية، وسجن معه في قلعة دمشق، توفي سنة (۷٥۱ هـ). ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة (٤/ ٤٤۷ - ٤٥۲)، والدرر الكامنة (٤/ ۲۱ - ۲۳)، وشذرات الذهب (۸/ ۲۸۷ - ۲۹۱). - رحمه الله تعالى - حول هذه السورة بعد أن ذكر الإذن بالقتال بعد استقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (۳۹)}، قال - رحمه الله تعالى -: "وقد قالت طائفة: إن هذا الإذن كان بمكة، والسورة مكية، وهذا غلط لوجوه: أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يتمكنون بها من القتال بمكة. الثاني: أن سياق الآية يدل على أن الإذن بعد الهجرة، وإخراجهم من ديارهم، فإنه قال: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ}[٤۰]، وهؤلاء هم المهاجرون. الثالث: قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}[۱۹] نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر من الفريقين. الرابع: أنه خاطبهم في آخرها بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}[الحج: ۷۷] والخطاب بذلك كله مدني، فأما الخطاب {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} فمشترك. الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعمّ الجهاد باليد وغيره، ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأما جهاد الحجة، فأمر به في مكة بقوله: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} أي: بالقرآن {جِهَادًا كَبِيرًا}[الفرقان: ٥۲]، فهذه سورة مكية، والجهاد فيها هو التبليغ، وجهاد الحجة، وأما الجهاد المأمور به في سورة الحج فيدخل فيه الجهاد بالسيف. السادس: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة ... " الحديث أخرجه أحمد في المسند (۱/ ۲٦۸) رقم (۱۸٦٤)، والترمذي في سننه، أبواب التفسير، سورة الحج (٥/ ۷) رقم (۳۲۲۱) وليس فيه قول ابن عباس، والنسائي في تفسيره (۲/ ۸۸)، والطبري (۱۷/ ۱۸۲)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٥/ ٤۳۳، ٤۳٤)، وابن حبان في صحيحه (۱۱/ ۸) رقم (٤۷۱۰)، والطبراني (۱۲/ ۱۳) رقم (۱۲۳۳٦) وليس فيه قول ابن عباس، والحاكم (۲/ ٤۲۲ - ٤۲۳، ۳/ ۸ - ۹) رقم (۳٤٦۹، ٤۲۷۱) وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقال ابن القيم في زاد المعاد (۳/ ۷۱): "إسناده على شرط الصحيحين". وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في شرحه للمسند (۳/ ۲٦۱ - ۲٦۲)، والشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي (۳/ ۷۹)، وصحيح سنن النسائي (۲/ ٦٤٦)، وينظر: أسباب النزول للواحدي ص (۳۱۸ - ۳۱۹)، ومرويات الإمام أحمد في التفسير (۳/ ۲۱۷ - ۲۱۸)، وحاشية مسند الإمام أحمد (۳/ ۳٥۹) الرسالة. وأخرجه النسائي في تفسيره (۲/ ۹۰) عن عائشة - رضي الله عنهما - أن هذه الآية أول آية نزلت في القتال. قال ابن حجر في الفتح: (۷/ ۲۸۰): "إسناده صحيح".، وإسناده على شرط الصحيحين. وسياق السورة يدل على أن فيها المكي والمدني، فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسول - صلى الله عليه وسلم - مكية، والله أعلم" زاد المعاد (۳/ ۷۰ - ۷۱) بتصرف يسير. قلت: سبقت الإشارة إلى عدم صحة القصة.