موسوعة سُورة - المكي والمدني في القرآن الكريم - عبد الرزاق
الفهرس

سُورة النساء
(سورة النساء مدنية) أجمع المفسرون على أن سورة النساء مدنية انظر نقل الإجماع في: الإيضاح لمكي (ص: ۲۰۷)، مصاعد النظر (۸٦/ ۲)، بصائر ذوي التمييز (۱/ ۱٦۹).، ولم أجد أحدًا قال بمكيتها اللهم إلّا ما ذهب إليه النحاس في "معاني القرآن" من مكية السورة واستند في ذلك إلى أن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} الآية سورة النساء الآية (٥۸).، نزل بمكة في قصة مفتاح الكعبة انظر: معاني القرآن للنحاس (۲/ ۷).. وقد نوقش على رأي النحاس بما يلي: أولًا: ورد في البخاري بسنده عن عائشة -رضي الله عنها- في حديث طويل وفيه "وما نزلت سورة البقرة والنساء إلّا وأنا عنده" صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ٦٥٤) كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، حديث رقم (٤۹۹۳). ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدخل على عائشة إلّا بالمدينة. قال الإمام البقاعي -رحمه الله- بعده أن أشار إلى رأي الجمهور ورأي النحاس أيضا: "والظاهر الأول -أي رأي الجمهور- فإن في البخاري عن عائشة -رضي الله عنها-" فذكر الحديث ثم قال: "ولا خلاف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بنى بها بالمدينة" مصاعد النظر (۲/ ۸٦ - ۸۷).. وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "وأشارت بقولها "وأنا عنده" أي بالمدينة؛ لأن دخولها عليه إنما كان بعد الهجرة اتفاقا" الفتح (۸/ ٦٥٦).. ثانيا: وعلى فرض أن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} مكي، فهل يلزم أن تكون السورة كلها مكية؟ قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في معرض شرحه لحديث عائشة السابق: "وفي الحديث ردّ على النحاس في زعمه أن سورة النساء مكية، مستنداً إلى قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} نزلت بمكة اتفاقا في قصة مفتاح الكعبة، لكنها حجة واهية، فلا يلزم من نزول آية أو آيات من سورة طويلة بمكة إذا أنزل معظمها بالمدينة أن تكون مكية، بل الأرجح أن جميع ما نزل بعد الهجرة معدود من المدني" الفتح (۸/ ٦٥٦).. ويقول السيوطي -رحمه الله- مشيراً إلى عدم وجاهة رأي النحاس "إذا تأملت ما أوردناه من أسباب نزول آيات هذه السورة عرفت الردّ على من قال بأنها مكية" لباب النقول في أسباب النزول (ص: ۸٦).. وانطلاقا من مبدأ ضرورة الجمع بين الأقوال وعدم اعتماد الناقد على مقالة واحدة فإنني رجعت إلى مؤلفات النحاس المتوفرة بين أيدينا من المؤلفات التي رجعت إليها غير معاني القرآن: الناسخ والمنسوخ، وإعراب القرآن، والقطع والائتناف.، وذلك للوصول إلى الرأي الذي استقر عليه الإمام النحاس أخيراً، وقد تبين لي من خلال تلك المراجعة أن النحاس -رحمه الله- رجع عن القول بمكية سورة النساء، إذ وجدته يقول بمدنيتها في كتابه "الناسخ والمنسوخ في كتاب الله عز وجل واختلاف العلماء في ذلك"، حيث قال بعد أن ذكر مكية سورة الأنعام بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ما نصه: "وما تقدم من السور مدنيات أعني سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة حدثني يموت بذلك الإسناد بعينه" الناسخ والمنسوخ للنحاس (۲/ ۳۱۷).. كما تبين لي أن كتاب "معاني القرآن" من أسبق تأليفات النحاس، فكثيراً ما يجد القارئ لمؤلفاته إحالات إلى ذاك الكتاب ولاسيما في كتابيه "الناسخ والمنسوخ" و "إعراب القرآن" ¬فعلى سبيل المثال يقول النحاس في الناسخ والمنسوخ (۲/ ۱۳۸) عند قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} الآية: "في هذه الآية إشكال وتفسير ونحو، وقد ذكرنا ما فيها إلّا ما كان من النسخ". وذكر النحاس -رحمه الله- هذا الإشكال والجواب عنه في معانى القرآن. انظر: (۲/ ۱۳ - ۱٤). وفي قوله تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦۸)} يقول النحاس في الناسخ والمنسوخ (۲/ ۳۹۳): "قيل: المعنى لولا أن الله تعالى سبق منه أنه لا يعذب أحداً إلّا بعد التقدم إليه لعاقبكم قبل، وقيل لولا أنه سبق من الله تعالى أنه لا يعذب أحداً على صغيرة إذا اجتنبت الكبائر لعاقبكم، وفيه غير هذا قد ذكرته". انظر هذه الإحالة في: معاني القرآن (۳/ ۱۷۰ - ۱۷۱). هذا وقد نسب حاجي خليفة إلى النحاس تفسيراً، ولعل المراد بهذا التفسير كتابه "معاني القرآن" ففيه مادة تفسيرية واسعة، ويؤيد ما قلته قول حاجي خليفة نفسه: "قصد فيه الإعراب، لكنه ذكر القراءات التي يحتاج أن يبيّن إعرابها، والعلل فيها، وما يحتاج فيه من المعانى". كشف الظنون (۱/ ٤٦۰).¥، وهكذا ينبغي أن يكون التعامل مع أقوال أهل العلم فيقدم القول المتأخر على القول المتقدم، فكثير من العلماء يقول قولاً يظنّ صحته، ثم يرجع عنه إلى قول آخر فهل يجوز على سبيل المثال أن ينسب إلى ابن عباس القول بجواز نكاح المتعة.، وهذا من فضائلهم. ويرى علقمة ¬هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، توفي -رحمه الله- سنة (۱٦۲). ترجمته: الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ۸٦)، تذكرة الحفاظ (۱/ ٤٥).¥ أن صدر سورة النساء نزل بمكة بدليل افتتاحها بخطاب {يَاأَيُّهَا النَّاسُ}، وسائرها بالمدينة انظر: فضائل القرآن لأبي عبيد (ص: ۲۲۲)، مصنف ابن أبي شيبة (۱۰/ ٥۲۲) برقم (۱۰۱۹۱) تفسير أبي المظفر السمعاني (۱/ ۸۱ ق/ ب - ۸۲ ق/ أ)، تفسير القرطبي (٥/ ۱) فتح البيان في مقاصد القرآن لصديق حسن خان (۲/ ۱۹۲).. ورأي علقمة هذا غير وجيه؛ إذ إن الافتتاح بخطاب {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} وإن كان من سمات القرآن المكي إلّا أنه ضابط غير مطرد في جميع القرآن ¬ كل سورة فيها "يا أيها الناس" وليس فيها "يا أيها الذين آمنوا" فهي مكية، انظر هذا الضابط في: فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ۲۲۲)، المصنف لابن أبي شيبة (۱۰/ ٥۲۲)، مسند البزار (٤/ ۳۳٦)، المستدرك (۳/ ۱۸)، الإيضاح لمكي (ص ۱۱٤)، دلائل النبوة للبيهقي (۷/ ۱٤٤)، جمال القراء (۱/ ۲٤۷)، المفرد للجعبري (۳٤ ق / أ)، التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (۱/ ۸)، فضائل القرآن لابن كثير (ص ۱۱ - ۱۲)، البرهان للزركشي (۱/ ۱۸۹)، مصاعد النظر (۱/ ۱٦۱)، الإتقان (۱/ ٥۲)، تناسق الدرر في تناسب السور للسيوطي (ص: ٦۳ - ٦٤)، الزيادة والإحسان في علوم القرآن (۱۲ ق / أ). مناقشة هذا الضابط: إن نقاد أهل العلم لم يسلِّموا اطراد هذا الضابط، قال القرطبي -رحمه الله -: "وأما من قال: إن قوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} مكي حيث وقع فليس بصحيح، فإن البقرة مدنية وفيها قوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} في موضعين"، انظر: تفسير القرطبي (٥/ ۱)، والموضعان هما: الآية (۲۱)، والآية (۱٦۹). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: " ... ولكن في السور المدنية خطاب {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} كما في سورة النساء وسورة الحج وهما مدنيتان، وكذا في البقرة"، مجموع الفتاوى (۱٥/ ۱٦۰). وللزركشى - رحمه الله - كلام نفيس في عدم اطراد هذا الضابط، فقد قال بعد أن ذكر أثر ابن مسعود: "كل شيء نزل يا أيها الناس فهو بمكة، وكل شيء نزل يا أيها الذين آمنوا فهو بالمدينة"، الذي بني عليه هذا الضابط: "وهذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر، فإن سورة البقرة مدنية، وفيها {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} وفيها: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} وسورة النساء مدنية، وفيها {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} فإن أراد المفسرون أن الغالب ذلك فهو صحيح"، البرهان (۱/ ۱۹۰).¥. قال ابن عاشور -رحمه الله- مناقشا دعوى نزول صدر هذه السورة بمكة: "والحق أن الخطاب بيا أيها الناس لا يدل إلّا على إرادة دخول أهل مكة في الخطاب، ولا يلزم أن يكون ذلك بمكة ولا قبل الهجرة، فإن كثيراً مما فيه يا أيها الناس مدني بالاتفاق" التحرير والتنوير (٤/ ۲۱۲).. الروايات الدالة على مدنية السورة: ۱ - في حديث البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - وفيه "وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده" صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ٦٥٤) كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، حديث رقم (٤۹۹۳).. ۲ - أخرج الإمام البخاري بسنده عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: "آخر سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت {يَسْتَفْتُونَكَ} " صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱۱۷) برقم (٤٦۰٥) كتاب التفسير، باب {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} الآية.. وجه الدلالة: إن وصف الآخرية بهذه الآية، وهي من آيات سورة النساء يقتضي أن تكون الآية مدنية النزول، كما أنه لا يوجد في القرآن الكريم آية قيل بأنها من آخر ما نزل من القرآن وهي في سورة مكية، فكل الآيات التي ذكرت لها الآخرية تندرج ضمن سور مدنية. ۳ - وأخرج ابن مردويه بسنده عن زيد بن ثابت قال: "نزلت سورة النساء بالمدينة" تفسير ابن كثير (۱/ ٤٥۸).. ٤ - وأخرج ابن الضريس من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس فذكر السور المكية والمدنية، وسورة النساء من القسم المدني انظر: فضائل القرآن لابن الضريس (ص: ۳٤).. ٥ - وأخرج النحاس بسنده عن ابن عباس أن سورة النساء مدنية انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (۲/ ۳۱٦ - ۳۱۷).. ٦ - وأخرج ابن مردويه بسنده عن عبد الله بن الزبير قال: "نزلت سورة النساء بالمدينة" تفسير ابن كثير (۱/ ٤٥۸).. ۷ - وأخرج أبو عمرو الداني من طريق فضيل بن الحسين عن حسان بن إبراهيم عن أمية الأزديّ عن جابر بن زيد فذكر السور المكية والمدنية وسورة النساء من القسم المدني انظر: البيان للداني (ص: ۱۳٦).. ۸ - وأخرج البيهقي من طريق عليّ بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن فذكرا السور المكية والمدنية، وسورة النساء من القسم المدني انظر: دلائل النبوة (۷/ ۱٤۲ - ۱٤۳).. ۹ - وأخرج الحارث المحاسبيّ من طريق سفيان بن عيينة عن معمر عن قتادة فذكر السور المدنية ومنها سورة النساء انظر: فهم القرآن (ص: ۳۹٥).. ۱۰ - وأخرج ابن المنذر بسنده عن قتادة قال: "نزل بالمدنية النساء" الدر المنثور (۲/ ٤۲۲).. ۱۱ - وأخرج ابن الأنباري من طريق حجاج بن منهال عن همام عن قتادة فذكر السور المدنية، وقال في القسم المكي: "وسائر القرآن نزل بمكة" ومن القسم المدني سورة النساء. انظر: تفسير القرطبي (۱/ ٦۱ - ٦۲).. ۱۲ - وأخرج أبو عبيد من طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة فذكر السور المدنية، ومنها سورة النساء انظر: فضائل القرآن لأبي عبيد (ص: ۳٤۰) برقم (۷۹٦).. ۱۳ - وذكر الزهري ترتيب السور المكية والمدنية، وسورة النساء من القسم المدني انظر: تنزيل القرآن (ص: ۳۰).. ۱٤ - وأخرج أبو عمرو الداني من طريق أحمد بن موسى عن يحيى بن سلام البصري عن أئمته أن سورة النساء مدنية انظر: البيان للداني (ص: ۱٤٦).. ۱٥ - وذكر أبو القاسم النيسابوري ترتيب السور المكية والمدنية وسورة النساء من القسم المدني انظر: التنزيل وترتيبه (۲۲۳ ق/ ب).. ۱٦ - وعدّد ابن شيطا في روايته للمكي والمدني السور المدنية، ومنها سورة النساء انظر: فنون الأفنان (ص: ۳۳۷ - ۳۳۸).. بعض روايات أسباب النزول الدالة على مدنية السورة: ۱ - أخرج الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه بسنده عن عروة بن الزبير قال: "خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شريج من الحرّة ¬والشريج جمع شَرْج هو مسيل الماء، وأضيف إلى الحرّة لكونها فيها، والحرّة أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت بالنار، والمراد بها هنا موضع معروف بالمدينة. انظر: النهاية (۲/ ٤٥٦)، الفتح (٥/ ٤٤).¥، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك، فقال الأنصاري يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجهه، ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر ¬المراد به هنا المُسَنَّاة وهو ما رفع حول المزرعة كالجِدَار. انظر: النهاية لابن الأثير (۱/ ۲٤٦).¥، ثم أرسل الماء إلى جارك، واستوعى النبي - صلى الله عليه وسلم - للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ¬صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱۰۳) برقم (٤٥۸٥) كتاب التفسير، باب {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}. وأخرجه البخاري أيضا في كتاب الشرب والمساقاة برقم (۲۳٦۰، ۲۳٦۱، ۲۳٦۲) وفي الصلح برقم (۲۷۰۸).¥. وجه الدلالة: في الحديث دليل على أن الآية نزلت بسبب مخاصمة الزبير مع الأنصاري، ومما هو معلوم أن ما نزل من القرآن في شأن الأنصار كان في المرحلة المدنية. ۲ - وأخرج الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه بسنده عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} رجع ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحد وكان الناس فيهم فرقتين: فريق يقول اقتلهم، وفريق يقول لا، فنزلت {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱۰٤) برقم (٤٥۸۹) كتاب التفسير، باب {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَالله أَرْكَسَهُمْ} الآية.. وجه الدلالة: في الحديث دليل على أن الآية نزلت بعد الانصراف من غزوة أحد، وغزوة أحد وقعت في شوال من السنة الثالثة للهجرة، كما أن النفاق لم يكن إلّا بالمدينة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مضعّفا قول من قال بمكية سورة الحديد: "وقد قيل إنها مكية وهو ضعيف؛ لأن فيها ذكر المنافقين وذكر أهل الكتاب، وهذا إنما نزل بالمدينة" مجموع الفتاوى (۱۷/ ۱۹۳).. ۳ - وأخرج الإمام البخاري -رحمه الله- بسنده عن سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أملى عليه (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فجاءه ابن أم مكتوم وهو يُملُّها عليّ، قال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى - فأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سُرِّي عنه فأنزل الله {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} " صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱۰۸) برقم (٤٥۹۲) كتاب التفسير باب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) الآية. وجه الدلالة: في الحديث دلالة على أن الآية نزلت في أهل الأعذار الذين يباح لهم ترك الجهاد من العمى والأعرج والمرضى، ومن مميزات المدنيّ أن الجهاد وما يتعلق به من أحكام لم يكن إلّا في المرحلة المدنية. ٤ - وأخرج الإمام مسلم -رحمه الله- بسنده عن أبي سعيد الخدري "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس ¬واد في ديار هوازن، فيه كانت وقعة حنين، ويسمى الآن أم خرمان. انظر: معجم البلدان (۱/ ۳۳٤)، معجم المعالم الجغرافية (ص: ۳٤ - ۳٥)، تعليقات حمد الجاسر على كتاب المناسك لأبي إسحاق الحربي (ص: ۳٤٦).¥، فلقوا عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناساً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحرجوا من غشيانهنّ من أجل أزواجهنّ من المشركين، فأنزل الله عز وجل في ذلك {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي فهنّ حلال لكم إذا انقضت عدّتهنّ" صحيح مسلم (۲/ ۱۰۷۹) برقم (۱٤٥٦) كتاب الرضاع، باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي.. وجه الدلالة: في الحديث دلالة على أن الآية نزلت في شأن سبايا غزوة حنين، قال ابن القيم -رحمه الله- مشيراً إلى السبب الذي ذكرناه "وهو الصحيح" زاد المعاد (٥/ ۱۳۱).. وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "فإن الآية نزلت في ذلك" تفسير ابن كثير (۱/ ٤۸٤) وانظر ما يؤيد ذلك أيضا في: أضواء البيان (۱/ ۳۲۰). وكما هو ثابت في كتب السير والتاريخ فإن حنيناً وقعت في شوال من السنة الثامنة للهجرة انظر: البداية والنهاية (٤/ ۳۲۱)، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية للقسطلاني (۱/ ٥۹٦ - ٥۹۷).. وخلاصة القول: لو لم تكن معنا أدلة أخرى في مدنية سورة النساء غير الموضوعات التي عالجتها السورة لكفى. قال القرطبي -رحمه الله-: "ومن تبيّن أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها" تفسير القرطبي (٥/ ۱)..
الآيات المدعى مكيتها في سورة النساء:
في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} سورة النساء، الآية (۱).. لم يقل أحد من أهل العلم -حسب اطلاعي- إن صدر سورة النساء مكي اللهم إلا علقمة بن قيس الكوفي -رحمه الله- انظر: تفسير أبى المظفر السمعاني (۱/ ۸۱ ق/ ب - ۸۲ ق/ أ)، تفسير القرطبي (٥/ ۱)، فتح البيان (۲/ ۱۹۲).. ولعل افتتاح السورة بخطاب: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} هو الدافع إلى القول بمكية هذه الآية عند علقمة، فقد أخرج أبو عبيد من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: "كل شي من القرآن: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فإنه أنزل بالمدينة، وما كان: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} فإنه أنزل بمكة" فضائل القرآن لأبي عبيد (ص: ۲۲۲)، وإسناده مرسل، وقد اسنده البزار عن ابن مسعود. انظر: (ص: ٥۳).. أقوال أهل العلم حول دعوى مكية هذه الآية: ۱ - قال ابن عطية -رحمه الله- مشيرًا إلى رأي علقمة: "وقد قال بعض الناس: إن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} حيث وقع إنما هو مكي، فيشبه أن يكون صدر هذه السورة مكيًا، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني، وإن نزل بمكة أو في سفر من أسفار النبي -صلى الله عليه وسلم- " المحرر الوجيز (٤/ ٥).. ۲ - وقال القرطبي -رحمه الله-: "وأما من قال: إن قوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} مكي حيث وقع فليس بصحيح، فإن البقرة مدنية وفيها قوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} في موضعين" تفسير القرطبي (٥/ ۱).. ۳ - ويقول رشيد رضا -رحمه الله- بعد حديثه عن خصائص السور المدنية: "فإذا فطنت لهذا تجلى لك أَفَنَ الأفن: هو ضعف العقل والرأي، يقال: رحل مأفون أي ضعيف العقل والرأي. انظر: لسان العرب (۱۳/ ۱۹). رأي من قال إن هذه السورة مكية، ومن قال أيضًا إن أوائلها نزلت في مكة، فلا شيء من أحكامها كان مما يحتاج إليه في مكة قبل الهجرة" تفسير المنار (٤/ ۳۲۱).. ٤ - ويقول ابن عاشور -رحمه الله- في نقد دعوى نزول صدر هذه السورة بمكة: "والحق أن الخطاب بيا أيها الناس لا يدل إلا على إرادة دخول أهل مكة في الخطاب، ولا يلزم أن يكون ذلك بمكة ولا قبل الهجرة، فإن كثيرًا مما فيه يا أيها الناس مدني بالاتفاق" التحرير والتنوير (٤/ ۲۱۲).. وخلاصة القول: أن دعوى مكية هذه الآية اعتمادها على ضابط غير مطرد في سور القرآن وآياته، مما يوحي بضعفها وعدم وجاهتها - والله أعلم-. في قوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} سورة النساء، الآية (٥۸).. استثنى البعض انظر: النكت والعيون (۱/ ٤٤٦)، المحرر الوجيز (٤/ ٥)، مصاعد النظر (۲/ ۸٦ - ۸۷)، الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي (۱/ ٤۱۱)، فتح البيان (۲/ ۱۹۲). من مدنية سورة النساء قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} الآية. مستند القول بمكية هذه الآية: يستند هذا القول إلى ما روي في سبب نزول هذه الآية من أنها نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ¬هو أحد الصحابة الكرام -رضي الله عنه- قتل أبوه طلحة وعمه عثمان بن أبي طلحة بأحد، ثم أسلم عثمان بن طلحة في الحديبية، وهاجر مع خالد بن الوليد، وشهد الفتح مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأعطاه مفتاح الكعبة، توفي -رضي الله عنه- سنة (٤۲ هـ). انظر: الإصابة (۲/ ٤٦۰). هذا وقد خلط كثير من المفسرين بين عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وعمه عثمان بن أبي طلحة، ونبَّه على ذلك الحافظ ابن كثير -رحمه الله- فقال بعد أن عرَّف كلًّا منهما: "وإنما نبهنا على هذا النسب؛ لأن كثيرًا من المفسرين قد يشتبه عليه هذا بهذا". تفسير ابن كثير (۱/ ٥۲۸). كما وقع غلط فادح في تفسير الثعلبي، ونقل عنه البغوي في تفسيره وهو القول إن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أسلم يوم الفتح، وقد أنكر الحافظ ابن حجر في ذلك فقال: "وقع في تفسير الثعلبي بغير سند في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} أن عثمان المذكور إنما أسلم يوم الفتح بعد أن دفع له النبي -صلى الله عليه وسلم- مفتاح البيت وهذا منكر، فالمعروف أنه أسلم وهاجر مع عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، وبهذا جزم ابن عبد البر في الاستيعاب". الإصابة (۲/ ٤٦۰)، وانظر أيضًا: العجاب في بيان الأسباب (۹٦ ق/ أ)، وللتوسع انظر: الكشف والبيان للثعلبي (۲/ ۹ ق / أ- ب)، الاستيعاب لابن عبد البر (۳/ ۱۰۳٤)، معالم التنزيل للبغوي (۲/ ۲۳۸).¥ في قصة مفتاح الكعبة. فقد أخرح الطبري في تفسيره من طريق حجاج عن ابن جريج قال: "قوله: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} الآية قال: نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة قبض منه النبي -صلى الله عليه وسلم- مفاتيح الكعبة، ودخل بها البيت، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح، قال: وقال عمر بن الخطاب: لما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يتلو هذه الآية فداؤه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل ذلك" ¬تفسير الطبري (۸/ ٤۹۱ - ٤۹۲) برقم (۹۸٤٦) وإسناده منقطع. كما أن فيه الحسين بن داود وهو سنيد صاحب التفسير، قال عنه الحافظ ابن حجر: ضعيف مع إمامته ومعرفته. التقريب (۱/ ۳۳٥).¥. مناقشة هذا المستند: من خلال النظر إلى مستند القول بمكية هذه الآية يبدو أن هذا القول انطلق من منظور مكاني، بينما المعتمد في تمييز المكي من المدني هو الضابط الزماني. نعم! نزول الآية في شان عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وردت عدة روايات مرسلة ومنقطعة تتقوى في مجموعها منها أثر الطبري، وكذلك ما أخرجه ابن إسحاق في السيرة بإسناد حسنَّه الحافظ ابن حجر. انظر: سيرة ابن هشام (٤/ ۱۲٥۳ - ۱۲٥٤)، وانظر تحسين الحافظ في الفتح (۷/ ٦۱۲)، وعبد الرزاق في المصنف (٥/ ۸۳ - ۸٥) برقم (۹۰۷۳)، والواحدي في أسباب النزول (ص ۱٥۸).، كما أن أصل القصة وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثمان بن طلحة أن يأتي بمفتاح الكعبة ثابت في صحيح البخاري. فقد أخرج الإمام البخاري -رحمه الله- بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفا أسامة بن زيد ومعه بلال ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح البيت فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فمكث فيه نهارا طويلا ثم خرج فاستبق الناس فكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالا وراء الباب قائما فسأله أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه، قال عبد الله: فنسيت أن أسأله كم صلى من سجدة؟ " صحيح البخاري مع الفتح (۷/ ٦۱۱) برقم (٤۲۸۹) كتاب المغازي، باب دخول النبي -صلى الله عليه وسلم- من أعلى مكة.. ولعل سائلًا يسأل فيقول: ألا يمكن أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قارئًا للآية في معرض الاستشهاد، و لم تكن الآية نزلت في ذلك الوقت؟ وهو رأي يراه الشيخ محمد رشيد رضا إذ يقول: "الظاهر أنها نزلت قبل فتح مكة، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلاها يومئذ استشهادًا" تفسير المنار (٥/ ۱٦۸ - ۱٦۹).. الجواب: لولا أن بعض الروايات فيها تصريح بنزول الآية يوم الفتح لكان هذا الاحتمال أقرب إلى الصواب. فعند عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ما يدل على أن الوحي كان ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- آنذاك، وفيه: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لعثمان بن طلحة يوم الفتح: ائتني بمفتاح الكعبة، فأبطأ عليه، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم ينتظره، حتى إنه لينحدر منه مثل الجمان من العرَق ... " المصنف لعبد الرزاق (٥/ ۸۳ - ۸٥) برقم (۹۰۷۳)، وإسناده مرسل.. ولعل ما تدل عليه الآية من العموم وما احتوته من تشريع عام هو الذي جعل الشيخ محمد رشيد رضا يستبعد الروايات الدالة على نزول الآية في شأن عثمان بن طلحة لكنا نقول: إن عموم الحكم لا ينافي خصوص السبب كما هو مقرر في الأصول انظر هذه القاعدة ومفرداتها في: البحر المحيط للزركشي (۳/ ۲۱۰ - ۲۱٥).. قال صاحب المراقي: واجزم بإدخال ذوات السبب ... واروِ عن الإمام ظنًا تصب متن مراقي السعود (ص ۸۱).. والآية وإن نزلت في شأن عثمان بن طلحة إلا أن حكمها عام يشمل جميع الأمانات، سواء كانت قولية أو فعلية أو اعتقادية، بناء على ما روي عن جمع من الصحابة من جهة روي القول بعموم خطاب الآية عن ابن عباس، والبراء بن عازب، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، فقد أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره بسند فيه رجل مبهم عن ابن عباس قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} الآية، قال: مبهمة للبَرّ والفاجر. تفسير ابن أبي حاتم، سورة النساء برقم (۳٤۸۳).، وبناءً على القاعدة الأصولية التفسيرية الدالة على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب من جهة أخرى. وخلاصة القول: أن القائلين بمكية هذه الآية لاحظوا الاعتبار المكاني، ولو لاحظوا الاعتبار الزماني -وهو الصواب- لما قالوا إنها مكية؛ إذ الآية نزلت بعد الهجرة في فتح مكة -والله أعلم-.