الكتاب: المكي والمدني في القرآن الكريم
دراسة تأصيلية نقدية للسور والآيات، من أول القرآن الكريم إلى نهاية سورة الإسراء
المؤلف: عبد الرزاق حسين أحمد
الناشر: دار ابن عفان للنشر والتوزيع - مصر
الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م
عدد الصفحات: 993
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(سورة المائدة مدنية)
أجمع أهل التفسير على أن سورة المائدة مدنية انظر نقل الإجماع في: المحرر والوجيز (٥/ ٥)، تفسير القرطبي (٦/ ۳۰)، مصاعد النظر (۲/ ۱۰٤)، بصائر ذوي التمييز (۱/ ۱۷۸).، غير أنهم اختلفوا في تفسير بعض الروايات الدالة على نزول السورة دفعة واحدة، هل المراد حملها على ظاهرها؟ أم الاعتماد على روايات أخرى دالة على نزول آيات السورة في أوقات متفرقة؟ وفيما يلي أدلة كلا الفريقين:
أدلة القائلين بنزول السورة دفعة واحدة:
۱ - استدلوا بحديث أسماء بنت يزيد، ففي مسند الإمام أحمد من طريق ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: "إني لآخذة بزمام العضباء علم للناقة، منقول من قولهم: ناقة عضباء: أي مشقوقة الأذن، ولم تكن مشقوقة الأذن، انظر: النهاية (۳/ ۲٥۱).، ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أنزلت عليه المائدة كلها، فكانت من ثقلها تدق الدق هو الكسر والرض في كل وجه. انظر: لسان العرب (۱۰/ ۱۰۰). بعضد الناقة" ¬المسند (٦/ ٥۰٤) برقم (۲۷٥٦۲) طبعة المكتب الإسلامي المرقمة وفي الإسناد شهر بن حوشب، وليث بن أبي سليم، وكلاهما فيه ضعف، شهر بن حوشب قال عنه الحافظ: "صدوق كثير الإرسال والأوهام" التقريب (۱/ ۳٥٥).
والأثر أخرجه الإمام أحمد في مسنده أيضا (٦/ ٥۰۷) برقم (۲۷٥۷۹) من طريق سفيان عن ليث به، والطبري في التفسير (۹/ ٥۲۹) برقم (۱۱۱۰۷) والطبراني في المعجم الكبير (۲٤/ ۱۷۸) برقم (٤٤۹).¥.
۲ - ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق ابن لهيعة عن يحيى بن عبد الله أن أبا عبد الرحمن الحبليّ حدثه قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: "أنزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها" ¬المسند (۲/ ۲۳٤) برقم (٦٦٤۰) طبعة المكتب الإسلامي المرقمة.
قال الحافظ ابن كثير: "تفرد به أحمد" تفسير ابن كثير (۲/ ۳)، وقال الهيثمي: "رواه أحمد وفيه ابن لهيعة، والأكثر على ضعفه، وقد يحسن حديثه وبقية رجاله ثقات." مجمع الزوائد (۷/ ۱٦).¥.
أدلة القائلين بنزول آيات السورة في أوقات وأزمنة مختلفة:
استدل القائلون بنزول آيات السورة في فترات مختلفة بطائفة من الأدلة أهمها ما يلي:
۱ - في صحيح البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب أن قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} الآية، نزلت عشية عرفة، يوم الجمعة، عام حجة الوداع صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱۱۹) برقم (٤٦۰٦)، كتاب التفسير، باب {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}..
۲ - وفي الصحيح أيضا عن عائشة - رضي الله عنها - أن آية التيمم - وهي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ... } الآية سورة المائدة الآية (٦). - نزلت بالبيداء، وذلك بعد انتهائهم من غزوة المريسيع صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱۲۱) برقم (٤٦۰۸)، كتاب التفسير، باب {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}.، كما جزم بذلك ابن عبد البر، حيث قال: "والسفر المذكور فيه كان في غزوة المريسيع إلى بني المصطلق بن خزاعة في سنة ست من الهجرة"الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه "الموطأ" من معاني الرأي والآثار (۳/ ۱٤۱)..
۳ - وفي الصحيح أيضا عن ابن مسعود قال: "شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً لأن أكون صاحبه أحب إليّ مما عدل به: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا} ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرق وجهه وسره، يعني قوله"صحيح البخاري مع الفتح (۷/ ۳۳٥) برقم (۳۹٥۲) كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}..
وجه الدلالة: في الحديث ما يفيد أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا على علم قبل غزوة بدر بهذه الآيات التي وردت في سورة المائدة، والتي تحكي موقف بني إسرائيل من نبيهم موسى -عليه السلام- وذلك عندما دعاهم إلى دخول الأرض المقدسة.
الاعتراض الذي اعترض به على القائلين بنزول السورة في فترات مختلفة والجواب عنه:
اعترض على القائلين بنزول السورة في فترات مختلفة بأن قولهم: إن آية التيمم هي آية المائدة، ليس محل اتفاق بين أهل العلم، فقد ذهب بعضهم إلى أنها آية النساء وهي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} الآية.، قال القرطبي -رحمه الله- معقباً على توقف ابن العربي في تعيين أيّ الآيتين أرادت عائشة بقولها: "فأنزل الله آية التيمم"جزء من حديث عائشة، انظر: صحيح البخاري مع الفتح (۱/ ٥۱٤) برقم (۳۳٤) كتاب التيمم، باب قول الله تعالى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}.: "أما قوله - أي ابن العربى - "فلا نعلم أية آية عنت عائشة" فهي هذه الآية على ما ذكرنا" ¬تفسير القرطبي (٥/ ۲۳۳).
ونص كلام ابن العربي كما في أحكام القرآن (۱/ ٥٦۱ - ٥٦۲): "وهي - أي آية التيمم - معضلة ما وجدت لدائها من دواء عند أحد، هما آيتان فيهما ذكر التيمم، إحداهما في النساء والأخرى في المائدة، فلا نعلم أية آية عنت عائشة".¥، ويعني القرطبي بالآية آية النساء.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في توجيه قول القرطبي: "ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء فيتجه تخصيصها بآية التيمم"الفتح (۱/ ٥۱۷)..
الجواب عن الاعتراض:
يجاب عن هذا الاعتراض بما يلي:
أولاً: أن رواية الإمام البخاري -رحمه الله- عن عمرو بن الحارث فيها تصريح بأن آية التيمم هي المائدة، ونصها كالتالي: قال الإمام البخاري: حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثني ابن وهب، قال أخبرني عمرو أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت "سقطت قلادة لي بالبيداء، - ونحن داخلون المدينة - فأناخ النبي - صلى الله عليه وسلم - ونزل فثنى رأسه في حجري راقداً، أقبل أبو بكر فلكزني اللكز هو الدفع في الصدر بالكفّ انظر: النهاية (٤/ ۲٦۸)، لسان العرب (٥/ ٤۰٦). لكزة شديدة وقال: حبست الناس في قلادة؟ فبي الموت لمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أوجعني، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - استيقظ، وحضرت الصبح، فالتمست الماء فلم يوجد، فنزلت {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} الآية، فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلّا بركة لهم" صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱۲۱) برقم (٤٦۰۸) كتاب التفسير، باب {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}..
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد لرواية عمرو بن الحارث إذ صرح فيها بقوله: فنزلت {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} الآية"الفتح (۱/ ٥۱۷)..
ويقول السيوطي -رحمه الله- "ولا شك أن الذي مال إليه البخاري من أنها آية المائدة هو الصواب للتصريح بها في الطريق المذكور"لباب النقول (ص: ۸۸)..
ثانيا: ترجم الإمام البخاري -رحمه الله- لحديث عائشة في كتاب التيمم بقوله: قول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}صحيح البخاري مع الفتح (۱/ ٥۱٤). وهذا دليل واضح على أن المراد بآية التيمم هي آية المائدة، إذ لا يوجد في آية النساء لفظ "منه"، وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "ظهر لي أن البخاري أراد أن يبين أن المراد بالآية المبهمة في قول عائشة في حديث الباب "فأنزل الله آية التيمم" أنها آية المائدة"الفتح (۱/ ٥۱٥)..
وفي تسمية آية المائدة بآية التيمم يقول الشيخ عبد العزيز الزمزمي في منظومته التفسيرية:
والسفريّ كآية التيمم ... مائدة بذات جيش فاعلم التيسير شرح منظومة التفسير (ص: ٤۷).
وخلاصة القول: أن السورة لم تنزل دفعة واحدة في زمان معين، وإنما نزل بعضها في السنوات التي سبقت صلح الحديبية، ونزل معظم السورة بعد ذلك، كما أن الروايات التي مفادها أن السورة نزلت دفعة واحدة يمكن أن تحمل على أن المراد بها مجموع السورة لا جميعها - والله أعلم -.
الروايات الدالة على مدنية السورة:
۱ - أخرج النَّسَائِيّ من طريق معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير قال: "دخلت على عائشة فقالت لي: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت: نعم، قالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه، وسألتها عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قالت: القرآن" ¬تفسير النَّسَائِيّ (۱/ ٤۲۷) برقم (۱٥۸) وصحح المحققان إسناده، والأثر أخرجه النحاس في ناسخه (۲/ ۲۳۲)، والحاكم في المستدرك (۲/ ۳۱۱)، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى (۷/ ۱۷۲) كلهم من طريق معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية به.
هذا وقد ورد في آخر ما نزل من السور روايات عديدة مختلفة، ففي الصحيحين عن البراء بن عازب "أن آخر سورة نزلت براءة" صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱٦۷) برقم (٤٦٥٤)، وصحيح مسلم (۳/ ۱۲۳۷) برقم (۱٦۱۸).
وعند مسلم عن ابن عباس: "أن آخر سورة نزلت {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} " صحيح مسلم (٤/ ۲۳۱۸) برقم (۳۰۲٤).
فيتحصل من هذه الروايات أن آخر ما نزل من السور: المائدة، وبراءة، والنصر، إلّا أنه من البدهي أن آخرية المائدة وبراءة ليست بالنظر إلى السورة بتمامها، فإنهما لم ينزلا دفعة واحدة، وإنما نزلت كلتاهما في مناسبات مختلفة، وبهذا يتعين أن المراد من الآخرية فيهما آخرية البعض الذي تم نزول كل منهما.
وأما آخرية سورة النصر فإنها آخر سورة نزلت كاملة غير مفرقة - والله أعلم -.¥.
۲ - وأخرج الترمذي من طريق ابن وهب، عن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ عن عبد الله بن عمرو قال: "آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح" ¬سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي (۸/ ۳٤٦) برقم (۳۲٥۸) كتاب التفسير، سورة المائدة.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وأخرجه الحاكم في المستدرك (۲/ ۳۱۱)، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
والمقصود بسورة الفتح في رواية الترمذي {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} بدليل حديث ابن عباس في صحيح مسلم: "أن آخر سورة نزلت {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} " صحيح مسلم (٤/ ۲۳۱۸) برقم (۳۰۲٤).¥.
۳ - وأخرج ابن الضريس من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس فذكر السور المكية والمدنية، وسورة المائدة من القسم المدني انظر: فضائل القرآن لابن الضريس (ص: ۳٤)..
٤ - وأخرج النحاس من طريق أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس أن سورة المائدة مدنية انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (۲/ ۳۱٦ - ۳۱۷)..
٥ - وأخرج الإمام أحمد من طريق ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: "إني لآخذه بزمام العضباء ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أنزلت عليه المائدة كلها، فكادت من ثقلها تدق بعضد الناقة"أخرجه الإمام أحمد في مسنده أيضا (٦/ ٥۰۷) برقم (۲۷٥۷۹) من طريق سفيان عن ليث به، والطبري في التفسير (۹/ ٥۲۹) برقم (۱۱۱۰۷) والطبراني في المعجم الكبير (۲٤/ ۱۷۸) برقم (٤٤۹)..
وجه الدلالة: إن أسماء بنت يزيد هذه أنصارية، ولا يعرف لها مجئ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل هجرته، ولا هي معدودة فيمن بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - في العقبة الثانية حتى يقال: إنها لقيته قبل الهجرة، الأمر الذي يجعلنا نجزم أن مسيرها هذا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بعد الهجرة، كما أن الإبهام الموجود في روايتها في تاريخ نزول السورة تفسره الروايات الأخرى الدالة على أن السورة من آخر سور القرآن نزولاً.
٦ - وأخرج أبو عمرو الداني من طريق فضيل بن الحسين عن حسان بن إبراهيم عن أمية الأزدي عن جابر بن زيد فعدّد السور المكية والمدنية، وسورة المائدة من القسم المدني انظر: البيان للداني (ص: ۱۳٦)..
۷ - وأخرج البيهقي من طريق عليّ بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن فذكرا السور المكية والمدنية، وسورة المائدة من القسم المدني انظر: دلائل النبوة (۷/ ۱٤۲ - ۱٤۳)..
۸ - وأخرج الحارث المحاسبي من طريق سفيان بن عيينة عن معمر عن قتادة فذكر السور المدنية ومنها سورة المائدة انظر: فهم القرآن (ص: ۳۹٥)..
۹ - وأخرج الطبري في تفسيره، قال: حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال قال: ثنا همام عن قتادة قال: "المائدة مدنية" ¬تفسير الطبري (۹/ ٥۳۱) برقم (۱۱۱۰).
وفي إسناده المثنى بن إبراهيم الآملي، وهو مجهول.
والأثر عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، انظر: الدر (۳/ ۳).
وأخرجه ابن الأنباري كما في تفسير القرطبي، انظر: (۱/ ٦۱ - ٦۲).¥.
۱۰ - وأخرج أبو عبيد من طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة فذكر السور المدنية، ومنها سورة المائدة انظر: فضائل القرآن لأبي عبيد (ص: ۳٤۰) برقم (۷۹٦)..
۱۱ - وفي ترتيب الزهري في المكي والمدني عدت سورة المائدة ضمن القسم المدني انظر: تنزيل القرآن (ص: ۳۱)..
۱۲ - وأخرج أبو عمرو الداني من طريق أحمد بن موسى عن يحيى بن سلام البصري عن أئمته أن سورة المائدة مدنية انظر: البيان للداني (ص: ۱٤۹)..
۱۳ - وأورد أبو القاسم النيسابوري ترتيب، القرآن المكي والمدني، وسورة المائدة معدودة من القسم المدني انظر: التنزيل وترتيبه (۲۲۳ ق/ ب)..
۱٤ - وفي رواية ابن شيطا للمكي والمدني السورة معدودة من القسم المدني انظر: فنون الأفنان (ص: ۳۳۷ - ۳۳۸)..
بعض روايات أسباب النزول الدالة على مدنية السورة:
۱ - في حديث البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - فيه التصريح بأن قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} الآية، نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في طريق عودته إلى المدينة صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱۲۱) برقم (٤٦۰۸)، كتاب التفسير، باب {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}..
۲ - وأخرج الإمام البخاري بسنده عن أنس - رضي الله عنه - قال: "كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديا فنادى، فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت، قال فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فقال لي: اذهب فأهرقها، قال فجرت في سكك المدينة، قال وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ هو شراب يتخذ من البُسْر. انظر: النهاية (۳/ ٤٥۳).، فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، قال فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} " صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۲۸) برقم (٤٦۲۰) كتاب التفسير، باب {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية..
وجه الدلالة: في الحديث دليل على أن الآية المذكورة نزلت بعد تحريم الخمر، ومعلوم أن تحريم الخمر كان بالمدينة المنورة.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان"الفتح (۸/ ۱۲۸)..
۳ - وأخرج الإمام مسلم بسنده عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: مرّ على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يهودي مُحَمَّماً أي مُسْوَد الوجه، من الحَمَمَة وهي الفحمة. انظر: النهاية (۱/ ٤٤٤). مجلوداً فدعاهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم، قالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} يقول: ائتوا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} " صحيح مسلم (۳/ ۱۳۲۷) برقم (۱۷۰۰) كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى..
وجه الدلالة: في الحديث دلالة على أن الآيات (٤۱ - ٤٥) من سورة المائدة نزلت في شأن مخاصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - لليهود في كيفية إقامة الحدود، وإقامة الحدود لم تشرع إلّا بالمدينة.
الآيات المدعى مكيتها في سورة المائدة:
في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}جزء من الآية (۳) سورة المائدة..
سبق أن ذكرت أن سورة المائدة مدنية، وأنها من آخر سور القرآن نزولًا، غير أنه ذهب إلى القول بمكية هذه الآية الشعبي ¬هو عامر بن شراحيل الهَمْداني، كان من كبار التابعين، توفي -رحمه الله- سنة (۱۰٤ هـ)، وقيل: سنة (۱۰٥ هـ)، وقيل: سنة (۱۰۹).
ترجمته: وفيات الأعيان (۳/ ۱۲)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي (۱/ ۲٥۳).¥، وأبو جعفر بن بشر لم أقف له على ترجمة.، كما نقله الآلوسي في تفسيره ينظر: روح المعاني (٦/ ٤۷).، وأبو سليمان الدمشقي ¬هو عبد الرحمن بن أحمد بن عسكر العَنَسي الدَّاراني الدمشقي، توفي -رحمه الله- سنة (۲۱٥ هـ).
ترجمته: وفيات الأعيان (۳/ ۱۳۱)، المقتنى في سرد الكنى (۱/ ۲۹۱).¥، كما نقله ابن الجوزي في تفسيره ينظر: زاد المسير (۲/ ۲٦۷).، وعلاء الدين الخازن ¬هو علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن، توفي -رحمه الله- سنة (۷۲٥ هـ).
ترجمته: الدرر الكامنة (۳/ ۱۷۱)، طبقات المفسرين للداوودي (۱/ ٤۲٦ - ٤۲۷).
هذا وللدكتور عيادة الكبيسي بحث قيم في تفسير الخازن والإسرائيليات، منشور في حولية الجامعة الإسلامية العالمية -إسلام آباد- العدد الثاني (۱٤۱٥ هـ).¥ كما في تفسيره انظر: تفسير الخازن المسمى (لباب التأويل في معاني التنزيل)(۲/ ۲).، ونظام الدين النيسابوري ¬هو الحسن بن محمد بن الحسين القمي النيسابوري، توفي -رحمه الله- سنة (۷۲۸).
ترجمته: الدرر الكامنة (۲/ ۱۲۰).¥ كما في "غرائب القرآن" له انظر: (٦/ ۲۹)..
مستند القول بمكية هذه الآية:
يستند هذا القول إلى ما روي في الصحيح من أن هذه الآية نزلت بعرفة ففي صحيح البخاري بسنده عن طارق بن شهاب: "قالت اليهود لعمر: إنكم تقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدًا، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأين نزلت، وأين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أنزلت، يوم عرفة وإنا والله بعرفة، قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أم لا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} " ¬صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱۱۹) برقم (٤٦۰٦)، كتاب التفسير، باب {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية.
هذا وقد جزمت روايات أخرى بأن ذلك كان يوم جمعة، انظر: صحيح البخاري مع الفتح (۱۳/ ٥۹) برقم (۷۲٦۸)، كتاب الاعتصام بالسنة، وصحيح مسلم (٤/ ۳۱۲) برقم (۳۰۱۷)، كتاب التفسير.
ومن هنا قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- معلقًا على شك سفيان: "وشك سفيان -رحمه الله- إن كان في الرواية فهو تورع، حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا، وإن كان شك في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة، فهذا ما إخاله يصدر عن الثوري -رحمه الله- فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير، ولا من الفقهاء، وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة لا يشك في صحتها ... والله أعلم ... ". تفسير ابن كثير (۲/ ۱٤).¥.
مناقشة هذا المستند:
من خلال النظر إلى مستند هذا القول يتبين لنا أنه لا داعي إلى مزيد من التعليق في القول بمكية هذه الآية؛ فنزول الآية بعرفة لا يعني أن الآية مكية إذا عرف أن ذلك كان بعد الهجرة، قال ابن الجوزي -رحمه الله- معقبًا على قول أبي سليمان الدمشقي في مكية هذه الآية: "والصحيح أن قوله {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} نزلت بعرفة يوم عرفة، فلهذا نسبت إلى مكة"زاد المسير (۲/ ۲٦۷)..
وقال برهان الدين البقاعي -رحمه الله- في معرض حكايته الإجماع على مدنية سورة المائدة: "مدنية إجماعًا، وإن أنزل {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية بعرفة، فإن العبرة في المدني بالنزول بعد الهجرة"مصاعد النظر (۲/ ۱۰٤)..
وخلاصة القول: أن هذه الآية مدنية كغيرها من آيات السورة بناء على التعريف المختار في المكي والمدني عند الجمهور، والله أعلم.
في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}. سورة المائدة، الآية (٦۷)..
لم أقف على أحد يرى مكية هذه الآية إلا أنه قد ورد في "المعجم الكبير" للطبراني رواية مفادها أن الآية نزلت في حياة أبي طالب، ونص هذه الرواية كالتالي:
قال الطبراني: حدثنا يعقوب بن غيلان، ثنا أبو كريب، ثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر أبى عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحرس، فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالًا من بني هاشم يحرسونه، حتى إذا نزلت عليه هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}، قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال: إن الله قد عصمني من الجن والإنس" ¬المعجم الكبير للطبراني (۱۱/ ۲٥٦ - ۲٥۷) برقم (۱۱٦٦۳)، وإسناده ضعيف، ففيه النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز قال عنه الحافظ ابن حجر: متروك. التقريب (۲/ ۳۰۲)، وقال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه النضر بن عبد الرحمن وهو ضعيف".
المجمع (۷/ ۲۰).¥.
مناقشة هذه الرواية:
لا أظن أن هذه الرواية تثير أيّ إشكال وقد عرفنا ضعفها، وزيادة في التوضيح نذكر ما قاله بعض أهل العلم حول نزول هذه الآية في قصة أبي طالب، وبعد ذلك نذكر الرواية المعتمدة في سبب نزول هذه الآية.
۱ - قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- بعد أن أورد رواية نحو هذه في تفسيره من طريق ابن مردويه قال: "وهذا الحديث غريب، وفيه نكارة، فإن هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية"تفسير ابن كثير (۲/ ۸۱)..
وقال في هذه الرواية التي معنا بعد أن أوردها من طريق ابن مردويه أيضًا، وذكر أن الطبراني أخرجها كذلك قال: "وهذا أيضًا حديث غريب، والصحيح أن هذه الآية مدنية بل هي من أواخر ما نزل بها"تفسير ابن كثير (۲/ ۸۱)..
۲ - وقال السيوطي -رحمه الله- بعد أن ذكر عدة روايات في سبب نزول هذه الآية قال: "ومن غريب ما ورد في سبب نزولها ما أخرجه ابن مردويه والطبرانى عن ابن عباس" فذكر الرواية وعلَّق عليها بقوله: "وهذا يقتضي أن الآية مكية والظاهر خلافه"لباب النقول في أسباب النزول (ص ۹٥)..
الرواية المعتمدة في سبب نزول هذه الآية:
إن الرواية المعتمدة في سبب نزول هذه الآية والتي تشهد لها الروايات الصحيحة هي ما أخرجه ابن حبّان من طريق مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا نزل منزلًا نظروا أعظم شجرة يرونها، فجعلوها للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فينزل تحتها ويترك أصحابه بعد ذلك في ظلّ الشجر، فبينما هو نازل تحت شجرة وقد علق السيف عليها إذ جاء أعرابي فأخذ السيف من الشجرة، ثم دنا من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو نائم فأيقظه فقال: يا محمد من يمنعك مني فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الله، فأنزل الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} " ¬موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي (ص ٤۳۰) برقم (۱۷۳۹)، وحسَّن إسناده الشيخ مقبل الوادعي في الصحيح المسند من أسباب النزول. انظر: (ص ۸۷).
وأصل الحديث في الصحيحين ولكن ليس فيه ذكر سبب نزول الآية، وفيه التصريح بأن القصة كانت إحدى غزوات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بل جاء في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة كما قال الحافظ في الفتح "كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذات الرقاع". انظر: صحيح البخاري مع الفتح (۷/ ٤۹۰ - ٤۹۱)، كتاب المغازي، باب ذات الرقاع، حديث رقم (٤۱۳٥)، ومسلم في الفضائل، باب توكله على الله وعصمته الله تعالى له من الناس (٤/ ۱۷۸٦ - ۱۷۸۷) برقم (۱۳)، وانظر كلام الحافظ في الفتح: (۷/ ٤۹۱).¥.
وخلاصة القول: أن دعوى مكية هذَه الآية ضعيفة جدًا؛ إذ الروايات الواردة في ذلك كلها ضعيفة ولا حجة فيها لشدة ضعفها، ومن هنا لا يعضد بعضها البعض الآخر.
وقد ذكرنا الرواية المعتمدة في سبب نزول هذه الآية، وأقوال أهل العلم في إبطال هذه الدعوى، وفيه كفاية للتدليل على أن هذه الآية نزلت بالمدينة تبعًا لسورتها، والله أعلم.
في قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}سورة المائدة، الآيات (۷۲ - ۸٦)..
لم أجد -حسب اطلاعي- أحدًا نُسب إليه القول بمكية هذه الآيات إلا أنه قد ورد في تفسير الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في النجاشي وأصحابه ¬انظر: تفسير الطبري (۱۰/ ٤۹۹ - ٥۰۰) برقم (۱۲۳۱۷).
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، سورة المائدة برقم (٤۲۸)، والآجري في الشريعة (ص ٤٤۹ - ٤٥۰)، وله شاهد عن عبد الله بن مسعود أخرجه النَّسَائِيّ في تفسيره (۱/ ٤٤۳) برقم (۱٦۸).¥، ولا شك أن مقتضى هذا السبب يوهم بأن هذه الآيات مكية النزول.
مناقشة القول بمكية هذه الآية:
ومع أن رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس صحيحة السند ¬الحكم على الإسناد:
وعلى ضوء ما قرره الحافظ ابن حجر -رحمه الله - من قبول رواية أبي صالح إذا كانت من الثقات فإن هذا الإسناد صحيح إلى علي بن أبي طلحة إذ الراوي هنا عنه أبو عبيد وهو إمام حافظ.
قال ابن حجر: "أبو عبيد الإمام المشهور، ثقة فاضل" التقريب (۲/ ۱۱۷).
وقال ابن كثير بعد أن أورد الرواية: "هذا إسناد صحيح عن ابن أبي طلحة مشهور، وهو أحد أصحاب ابن عباس الذين رووا عنه التفسير" فضائل القرآن لابن كثير (ص: ۱۳).
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذه الرواية نسخة، ولا شك أن خفة الضبط في الصدوق تزول برواية النسخة؛ إذ العمدة في هذه الحالة هو ضبط النسخة، وقد أثنى على هذه النسخة الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله - حيث قال كما أسند عنه أبو جعفر النحاس: "بمصر كتاب التأويل عن معاوية بن صالح لو جاء رجل إلى مصر فكتبه ثم انصرف ما كانت رحلته عندي ذهبت باطلًا" الناسخ والمنسوخ للنحاس (۱/ ٤٦۲).
وبمناسبة الحديث عن هذا الإسناد فمن المستحسن أن نلفت النظر إلى قضية قد كثر حولها الجدل وهو الانقطاع بين علي بن أبي طلحة وابن عباس، والتحقيق في هذا القضية أن الواسطة بينهما معروفة، ولأجل هذا ذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح هذا الإسناد رغم الانقطاع الذي فيه.
قال الطحاوي -رحمه الله -: "واحتملنا حديث علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وإن كان لم يلقه؛ لأنَّه عند أهل العلم بالأسانيد إنما أخذ الكتاب الذي فيه الأحاديث عن مجاهد وعكرمة" شرح مشكل الآثار للطحاوي (٦/ ۲۸۳).
ويقول أبو جعفر النحاس بعد أن أخرج أثرًا بهذا الإسناد: "وهو صحيح عن ابن عباس، والذي يطعن في إسناده يقول: ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وعكرمة، وهذا القول لا يوجب طعنًا؛ لأنَّه أخذه عن رجلين ثقتين، وهو في نفسه ثقة" الناسخ والمنسوخ للنحاس (۱/ ٤٦۱ - ٤٦۲).
وقال الخليلي -رحمه الله -: "تفسير معاوية بن صالح قاضى الأندلس عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رواه الكبار عن أبي صالح كاتب الليث عن معاوية" الإرشاد في معرفة علماء الحديث (۱/ ۳۹۳).
هذا وقد اعتمد الإمام البخاري -رحمه الله - على هذا الطريق في صحيحه لا سيما ما يتعلق بتفسير الغريب والتراجم، وذلك فيما يعلقه عن ابن عباس، انظر: هدي الساري (ص: ٤۳٤ - ٤۳٥)، فقد سرد -رحمه الله - الأحاديث التي رواها الإمام البخاري في صحيحه بهذا الطريق.
وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله - في كتابه الفذ في بابه "العجاب في بيان الأسباب" في معرض حديثه عن الرواة الثقات: " ... ومن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعلي صدوق، ولم يلق ابن عباس، لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري وأبو حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة" العجاب في بيان الأسباب (٤ ق/ أ - ب).
وجوَّد الإمام السيوطي -رحمه الله- هذا الطريق فقال: "وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، وفيه روايات وطرق مختلفة، فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه" الإتقان (۲۳۰۱۲).
وذكر شيخنا الدكتور حكمت بشير أنه وقف على رواية فيها تصريح بأن مجاهدًا هو الواسطة عند ابن زنجويه في "الأموال"، والنسائي في "تفسيره" مقدمة التفسير الصحيح - موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور - (ص: ٥۳)، وقارن معه الأموال لابن زنجويه (۱/ ۳۱۲) برقم (٤۷۹)، وتفسير النَّسَائِيّ (۱/ ٥۳۱) برقم (۲۳۱).¥، إلا أن الحافظ ابن كثير -رحمه الله- أعلَّها هنا من جهة المتن فإنه بعد أن أشار إليها باختصار قال: "وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة"تفسير ابن كثير (۲/ ۸۸)..
وتعقبه العلامة القاسمي فقال: "إن نظره مدفوع، فإنه حكى في هذه الآية بعد الهجرة ما وقع قبلها، ونظائره في التنزيل كثيرة، ولا إشكال فيه، وظاهر أن المقصود بهذه الآية التعريض بعناد اليهود الذين كانوا حول المدينة، وهم يهود بني قريظة والنضير، وبعناد المشركين أيضًا، وقساوة قلوب الفريقين، وأنَّه كان الأجدر بهما أن يعترفوا بالحق كما اعترف به النجاشي وأصحابه"محاسن التأويل (٦/ ۳۳۷)..
وأيًّا كان الاختلاف بين الحافظ ابن كثير والعلامة القاسمي حول مقتضى هذا السبب هل يستلزم منه القول بمكية الآيات أم لا؟ -أيًّا كان هذا الاختلاف- فإنهما يتفقان أن هذه الآيات مدنيات، وأن القول بمكيتهن غير صحيح.
ويبدو أن هذه الرواية ليس المراد بها أن حادثة النجاشي وأصحابه هي السبب المباشر لنزول الآيات، بل المراد أن هذه الحادثة مما تتناوله هذه الآيات، وهذا هو ما يقوله القاسمي -رحمه الله- وهو توجيه وجيةٌ؛ إذ كثيرًا ما تقع وقائع بعد نزول آية أو قبلها، فتذكر الآية للاستشهاد في واقعة ما، فيظن من سمعها حينئذ أنها نزلت في تلك الواقعة، وقد تنبه إلى هذا الأمر بعض المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية والزركشي رحمهما الله تعالى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في توضيح هذا الأمر: "قولهم: نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول، ويراد به أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، كما تقول: عنى بهذا الآية كذا"مقدمة في أصول التفسير (ص ۳۸)..
وقال الزركشي: "والعالم قد يحدث له حوادث، فيتذكر أحاديث وآيات تتضمن الحكم في تلك الواقعة، وإن لم تكن خطرت له تلك الحادثة قبل، مع حفظه لذلك النص، وما يذكره المفسرون من أسباب متعددة لنزول الآية قد يكون من هذا الباب، لا سيما وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: "نزلت هذه الآية في كذا" فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها أولًا"البرهان (۱/ ۳۱ - ۳۲)..
هذا وللعلامة وليّ الله الدهلوي ¬هو العلامة ولي الله أحمد بن عبد الرحيم العمري الدهلوي، من مؤلفاته: حجة الله البالغة، والإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، توفي -رحمه الله- سنة (۱۱۷٦ هـ).
ترجمته: معجم المفسرين (۱/ ٤٤)، معجم المؤلفين (۱۳/ ۱٦۹).
هذا وللباحث خليل الرحمان سجاد الندوي دراسة عن الإمام الدهلوي ومنهجه في التفسير وعلوم القرآن، نال بها درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.¥ كلام جيد حول هذه المسألة أحببت أن أذكره هنا إتمامًا للفائدة، فيقول: "والذي يظهر من استقراء كلام الصحابة والتابعين أنهم لا يستعملون "نزلت في كذا" لمحض قصة كانت في زمنه -صلى الله عليه وسلم-، وهي سبب نزول الآية، بل ربما يذكرون بعض ما صدقت عليه الآية مما كان في زمنه -صلى الله عليه وسلم- ويقولون: "نزلت في كذا"ولا يلزم هناك انطباق جميع القيود، بل يكفي انطباق أصل الحكم فقط"الفوز الكبير في أصول التفسير للدهلوي (ص ٥٥)..
وخلاصة القول: أن انطباق هذه الآيات على حادثة النجاشي وأصحابه لا يعني أنهن نزلن حينئذ، بل المراد أن هذه الحادثة مما تتناوله هذه الآيات ومن الأفراد الداخلة فيها، وليست هي السبب المباشر لنزول الآيات، والله أعلم.