موسوعة سُورة - المكي والمدني في القرآن الكريم - عبد الرزاق
الفهرس

سُورة الرعد
(سورة الرعد مكية) سورة الرعد من السور المختلف في مكيتها أو مدنيتها، والخلاف في هذه السورة على النحو التالي: أ - هل السورة مكية كلها؟ ب - هل السورة مدنية كلها؟ جـ - هل السورة مكية من حيث الجملة مع اشتمالها على آيات مدنية؟ د - هل السورة مدنية من حيث الجملة مع اشتمالها على آيات مكية؟ قال العلامة القاسمي -رحمه الله-: "وللسلف رأيان في أنها مكية أو مدنية، ويقال إنها مدنية إلّا قوله {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية، ويقال من أولها إلى آخر: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ} مدني، وباقيها مكي" تفسير القاسمي (۹/ ۳۲۱).. القائلون بأن سورة الرعد مكية وأدلتهم ورد القول بأن سورة الرعد مكية كلها في رواية مجاهد عن ابن عباس أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ (۲/ ٤۷۸).. ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس انظر: زاد المسير (٤/ ۲۹۹).، وهو مرويّ عن سعيد بن جبير، وعطاء بن يسار انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (۲/ ٤۷۹)، مصاعد النظر (۲/ ۱۸۹)، الإتقان (۱/ ۳٦).، وقتادة في رواية عنه انظر: زاد المسير (٤/ ۲۹۹)، التحرير والتنوير (۱۳/ ۷٥).، وإليه ذهب جمهور المفسرين انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (۲/ ٤۷۸ - ٤۷۹)، المحرر الوجيز (۱۰/ ۳)، البحر المحيط (٦/ ٤۰۲)، تفسير ابن كثير (۲/ ٥٤۰)، مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي (۲/ ۳۹۸)، بصائر ذوي التمييز (۱/ ۲٦۲)، الإكليل على مدارك التنزيل - حاشية على تفسير النسفي - للعلامة محمد عبد الحق الهندي المكي (٥/ ۸٤).. أدلة هذا القول: الدليل الأول: أخرج النحاس في ناسخه بسنده عن مجاهد عن ابن عباس قال: "سورة الرعد نزلت بمكة فهي مكية" الناسخ والمنسوخ للنحاس (۲/ ٤۷۸).. الدليل الثاني: ما ذكره ابن الجوزي -رحمه الله- في تفسيره أنه قد جاء في رواية عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس أن سورة الرعد مكية انظر: زاد المسير (٤/ ۲۹۹).. الدليل الثالث: أن بعض روايات أسباب نزول آيات السورة تدلنا على مكيتها. قال البقاعي -رحمه الله-: "والأحاديث الواردة في سبب نزول: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ} تدل على أنها مكية" مصاعد النظر (۲/ ۱۸۹).. ومن تلك الأسباب ما أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن عليّ الأنصاري، حدثنا خلف بن تميم المصيصي، عن عبد الجبار بن عمر الإيلي عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم، عن جدته أم عطاء مولاة الزبير بن العوام، قالت: سمعت الزبير بن العوام يقول: "لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} صاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي قُبَيس ¬بلفظ التصغير هو اسم الجبل المشرف على الكعبة من جهة مطلع الشمس. انظر: معجم المعالم الجغرافية (ص: ۲٤۹) معالم مكة التاريخية والأثرية (ص: ۱۱).¥: "يا آل عبد مناف، إني نذير" فجاءته قريش، فحذرهم وأنذرهم، فقالوا: تزعم أنك نبيّ يوحى إليك، وأن سليمان سُخِّر له الريحُ والجبال، وأن موسى سُخِّر له البحر، وأن عيسى كان يحيي الموتى؟ فادع الله أن يسيّر عنّا هذه الجبال، ويفجّر لنا الأرض أنهاراً، فنتخذها محارث فنزرع ونأكل، وإلّا فادع الله أن يحيى لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا، وإلّا فادع الله أن يصيّر هذه الصخرة التي تحتك ذهباً فَنَنحت منها ويُغْنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم! فبينما نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سرّي عنه قال: "والذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتهم، ولو شئت لكان، ولكنه خيّرني بين أن تدخلوا من باب الرحمة، فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يَكِلَكُمْ إلى ما اخترتم لأنفسكم فَتَضِلوا عن باب الرحمة ولا يؤمن مؤمنكم، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه معذّبكم عذاباً لا يعذِّبه أحداً من العالمين" فنزلت: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} حتى قرأ ثلاث آيات، ونزلت: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} الآية" ¬مسند أبي يعلى الموصلي (۲/ ٤۰ - ٤۱) برقم (٦۷۹). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (۷/ ۸۸): "رواه أبو يعلى من طريق عبد الجبار بن عمر الإيلي، عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم، وكلاهما وثق، وقد ضعفهما الجمهور". وقال محقق مسند أبي يعلى: "إسناده ضعيف" (۲/ ٤۱).¥. الدليل الرابع: أَن المتأمل في مضمون هذه السورة والقضايا التي تناولتها آيات السورة ليجد أنها مكية تماماً. وفي هذا يقول أبو جعفر بن الزبير الغرناطي: "والسورة بجملتها غير حائدة عن تلك الأغراض المجملة في الآيات الأربع المذكورات من آخر سورة يوسف، ومعظم السورة وغالب آياتها في التنبيه وبسط الدلالات والتذكير بعظيم ما أودعت من الآيات" البرهان في ترتيب سور القرآن (ص: ۲۳٥).. وقال ابن عاشور -رحمه الله-: "ومعانيها جارية على أسلوب القرآن المكي من الاستدلال على الوحدانية، وتقريع المشركين وتهديدهم، والأسباب التي أثارت القول بأنها مدنية أخبار واهية" التحرير والتنوير (۱۳/ ۷٦).. ويقول سيد قطب -رحمه الله-: "إن افتتاح السورة وطبيعة الموضوعات التي تعالجها، وكثيراً من التوجيهات فيها ... كلّ أولئك يدلّ دلالة واضحة على أن السورة مكية، وليست مدنية كما جاء في بعض الروايات والمصاحف" في ظلال القرآن (٤/ ۲۰٦٦).. القائلون بمدنية السورة وأدلتهم: يرى بعض أهل العلم أن سورة الرعد مدنية كلها، وقد جاء ذلك في رواية عطية العوفي عن ابن عباس أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه كما في الدر (٤/ ٥۹۹) وانظر أيضا: الإتقان (۱/ ۳٦)، روح المعاني (۱۳/ ۸٤).، وعطاء الخراساني عن ابن عباس أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (ص: ۳٤)، وابن عبد الكافي في بيانه (۱۲ ق/ ب).، ومجاهد عن ابن الزبير أخرجه ابن مردويه كما في الدر (٤/ ٥۹۹)، وانظر أيضا، روح المعاني (۱۳/ ۸٤).. وفي رواية عكرمة والحسن البصري عند البيهقي انظر: دلائل النبوة (۷/ ۱٤۲ - ۱٤۳).، وقتادة في رواية عنه أخرجه الحارث المحاسبي في فهم القرآن (ص: ۳۹٥)، وابن الأنباري في الرد على من خالف مصحف عثمان - رضي الله عنه -. انظر: تفسير القرطبي (۱/ ٦۱ - ٦۲)، وأبو عمرو الداني في البيان (ص: ۱۳۳)، وأبو الشيخ كما في الإتقان (۱/ ۳٦).، وهو مروي كذلك عن جابر بن زيد انظر: زاد المسير (٤/ ۲۹۹).، والزهري انظر: تنزيل القرآن للزهري (ص: ۳۰).، وابن جريج انظر: روح المعاني (۱۳/ ۸٤)، والتحرير والتنوير (۱۳/ ۷٥).. أدلة هذا القول: استدل القائلون. بمدنية سورة الرعد بأدلة عديدة، وهي كما يلي: الدليل الأول: ما أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نزلت سورة الرعد بالمدينة" الدر (٤/ ٥۹۹).. الدليل الثاني: ما أخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: "نزلت الرعد بالمدينة" الدر (٤/ ٥۹۹).. الدليل الثالث: ما تدل عليه بعض روايات أسباب نزول آيات السورة ومنها: أ - ما أخرجه الطبراني -رحمه الله- في المعجم الكبير، فقال: حدثنا مسعدة بن سعد العطار، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني عبد الرحمن، وعبد الله ابنا زيد بن أسلم عن أبيهما، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس "أن أربد بن قيس بن جزي بن خالد بن جعفر بن كلاب، وعامر بن الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانتهيا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس، فجلسا بين يديه، فقال عامر بن الطفيل: يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَكَ ما للمسلمين وعَلَيك ما عليهم" قال عامر بن الطفيل: أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس ذلك لك ولا لقومك، ولَكن لَكَ أَعِنَّةُ الخيل" ¬الأعِنَّة هي جمع عِنَان وهي سير اللجام الذي تمسك به الدابة. انظر: تهذيب اللغة للأزهري (۱/ ۱۰۹)، الصحاح للجوهري (٦/ ۲۱٦۷)، القاموس المحيط للفيروز آبادي (٤/ ۲٤۹).¥ قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر ¬الوبر يراد به أهل القرى والبوادي، والمدر يراد به المدن والأمصار، والمعنى أن تكون له زعامة البادية وللرسول - صلى الله عليه وسلم - زعامة المدن والحضر. انظر: النهاية لابن الأثير (٤/ ۳۰۹)، (٥/ ۱٤٥).¥، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا"، فلما قفل من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال عامر: أما والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يمنعك الله" فلما خرج أربد وعامر، قال عامر: يا أربد أنا أشغل منك محمداً بالحديث، فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمداً لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب، فسنعطيهم الدية، قال أربد: أفعل، فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك، فقام معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فخليا إلى الجدار ووقف معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكلمه، وسلّ أربد السيف، فلما وضع يده على قائم السيف يبست على قائم السيف، فلم يستطع سلّ السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرأى أربد وما يصنع، فانصرف عنهما، فلما خرج عامر وأربد من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كانا بالحرة حرة واقم ¬إحدى حرتي المدينة وهي الشرقية. انظر: معجم البلدان (۲/ ۲۸۷)، وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى للسمهودي (٤/ ۱۱۸۸)، تاريخ معالم المدينة المنورة قديماً وحديثاً لأحمد ياسين الخياري (ص: ۲۳٥).¥، نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقالا: اشخصا يا عدوي الله لعنكما الله، قال عامر: من هذا ياسعد؟ قال: هذا أسيد بن حضير الكاتب، قال: فخرجا حتى إذا كانا بالرقم ¬موضع قريب من الحرة الغربية. انظر: تاريخ معالم المدينة المنورة (ص: ۲۳۹).¥ أرسل الله عز وجل على أربد صاعقة، فقتله، وخرج عامر حتى إذا كان بالحرّ، أرسل الله عليه قَرْحَة القرح هو جرب شديد لا يكاد ينجو منه الشخص، انظر: لسان العرب (۲/ ٥٥۷). فأخذته فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقه، ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية، يرغب أن يموت في بيتها، ثم ركع ¬هكذا في المعجم الكبير وهو تصحيف، والصواب: "ثم ركب". انظر: المعجم الأوسط (۱۰/ ٦۱).¥ فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعاً، فأنزل الله عز وجل فيهما {اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ} إلى قوله: {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمداً، ثم ذكر أربد وما قبله هكذا في المعجم الكبير وهو تصحيف، والصواب ما في الأوسط "وما قتله به" انظر: المعجم الأوسط (۱۰/ ٦۱). به قال {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} إلى قوله: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} " ¬المعجم الكبير (۱۰/ ۳۱۲ - ۳۱۳) برقم (۱۰۷٦۰). وأخرجه أيضا في الأوسط بنحوه (۱۰/ ٥۹ - ٦۱) برقم (۹۱۲۳) قال الهيثمي في المجمع (۷/ ٤٥): "رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه ... وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف."¥. وجه الدلالة: في الحديث دلالة واضحة على أن أربد وعامر قدما المدينة وتحاورا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيهما نزلت الآيات، وهذا يقتضي أن تكون تلك الآيات مدنيات. قال ابن عطية -رحمه الله-: "والظاهر عندي أن المدني فيها كثير، وكل ما نزل في شأن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة فهو مدني." المحرر الوجيز (۱۰/ ۳).. وقال البقاعي -رحمه الله-: "والأحاديث الواردة في سبب نزول آية الرعد في أربد وعامر بن الطفيل وغيرهما تدل على أنها مدنية." مصاعد النظر (۲/ ۱۸۹).. ويقول السيوطي -رحمه الله-: "ويؤيد القول بأنها مدنية ما أخرجه الطبراني وغيره عن أنس أن قوله تعالى {اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} إلى قوله: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} نزل في قصة أربد بن قيس وعامر بن الطفيل حين قدما المدينة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " الإتقان (۱/ ۳٦).. ب - أخرج الطبري -رحمه الله- في تفسيره فقال: حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي بكر بن عياش عن ليث عن مجاهد قال: " جاء يهودي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أخبرني عن ربك من أي شيء هو، من لؤلؤ أو من ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأخذته، فأنزل الله: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} " ¬تفسير الطبري (۱٦/ ۳۹۱) برقم (۲۰۲٦۷). إسناده مرسل، وإضافة إلى ذلك ففيه ليث بن أبي سليم صدوق اختلط أخيرا، و لم يتميز حديثه فترك. التقريب (۲/ ۱۳۸). وفيه أيضا المثنى بن إبراهيم مجهول، فالإسناد ضعيف إذاً.¥. وجه الدلالة: في الأثر دليل على أن يهودياً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ربه، وفيه نزلت الآية، ومعلوم أن جدال اليهود مع النبي - صلى الله عليه وسلم - دون أن تكون هناك واسطة كفار قريش - لم يكن إلّا بالمدينة. قال ابن عاشور -رحمه الله-: "ولما كان عامر بن الطفيل إنما جاء المدينة بعد الهجرة، وكان جدال اليهود لايكون إلّا بعد الهجرة أقدم أصحاب هذه الأخبار على القول بأن السورة مدنية أو أن هذه الآيات منها مدنية" التحرير والتنوير (۱۳/ ۱۰۷).. جـ - أخرج الطبري -رحمه الله- في تفسيره فقال: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: قوله: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ} الآية سورة الرعد الآية (۳۰).، قال: "هذا لما كاتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشاً في الحديبية كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا: لاتكتب الرحمن، وما ندري ما الرحمن، ولا تكتب إلّا: باسمك اللهم، قال الله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} " ¬تفسير الطبري (۱٦/ ٤٤٦) برقم (۲۰۳۹۸). إسناده مرسل ضعيف، ففيه الحسين بن داود المصيصيّ المشهور بسنيد، ضعيف، وفيه أيضا عنعنة ابن جريج وهو مدلس. انظر: التقريب (۱/ ٥۲۰)، وطبقات المدلسين لابن حجر (ص ۹٥). والأثر أخرجه الثعلبي في تفسيره بنحوه (۲/ ۷٤۹ ق/ أ)، والواحدي في البسيط (٤/ ۱۷۱ ق/ ب).¥. وجه الدلالة: في الأثر دليل على أن هذه الآية يعنى بها صلح الحديبية، ومعلوم أن خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الحديبية كان في ذي القعدة من السنة السادسة انظر: دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ۹۰) تحت باب: تاريخ خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الحديبية.، وهذا يقتضي أن تكون الآية مدنية. د - أخرج الترمذي -رحمه الله- في سننه من طريق عبد الملك بن عمير عن ابن أخي عبد الله بن سلام قال: "لما أريد عثمان جاء عبد الله بن سلام فقال له عثمان ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرتك، قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارج خير لي منك داخل، قال فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس فقال: أيها الناس إنه كان اسمي في الجاهلية فلان، فسماني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله، ونزلت فيّ آيات من كتاب الله، نزلت فيّ: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} سورة الأحقاف الآية (۱۰). ونزلت فيّ: {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} سورة الرعد الآية (٤۳). إن لله سيفا مغمودا عنكم وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيّكم فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فوالله إن قتلتموه لتطردنّ جيرانكم الملائكة وَلتَسُلُّنّ سيف الله المغمود عنكم فلا يغمد إلى يوم القيامة، قال: فقالوا اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان." ¬سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي (۹/ ۹۸ - ۹۹) برقم (۳٤۷۳) كتاب التفسير، سورة الأحقاف. قال الترمذي: "هذا حديث غريب"، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ص: ٤۱٤ - ٤۱٥) برقم (٦٤۲). والحديث أخرجه الطبري في تفسيره مختصرا (۱٦/ ٥۰۱) برقم (۲۰٥۳٥).¥ وجه الدلالة: في الأثر دليل على أن آية الرعد {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} الآية، نزلت في عبد الله بن سلام، وإسلام عبد الله كما هو ثابت في صحيح البخاري كان بالمدينة في أول مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها انظر: صحيح البخاري مع الفتح (۷/ ۳۱۹) برقم (۳۹۳۸) كتاب مناقب الأنصار.. قال أبو حيان -رحمه الله- معقباً على ما روي عن مجاهد وقتادة من نزول هذه الآية في عبد الله بن سلام: "وهذان القولان لا يستقيمان إلّا على أن تكون الآية مدنية، والجمهور على أنها مكية" البحر المحيط (٦/ ٤۰۲).. القائلون بأن سورة الرعد مكية من حيث الجملة مع اشتمالها على آيات مدنية ذهب بعض أهل العلم إلى أن سورة الرعد مكية من حيث الجملة، ولكن لا يمنع هذا أن تكون بعض آياتها مدنية: إذ قد ثبت ذلك في بعض الروايات. وبما أنني ذكرت آنفا أدلة من قال بمكية السورة كلها، وكذلك أدلة من قال بمدنية السورة كلها فإنه لم يبق لي في هذا المقام إلّا أن أذكر أسماء أصحاب هذا الرأي دون ذكر أدلة أخرى؛ إذ القائل بهذا الرأي يستدل على مكية السورة من حيث الجملة بنفس الأدلة الدالة على مكية السورة، والتي استدلّ بها أصحاب القول الأول. كما يستدل على مدنية بعض آياتها ببعض الأدلة التي استدل بها أصحاب القول الثاني. وإليك ذكر أصحاب هذا القول مرتبين ترتيباً زمنياً حسب وفياتهم: أ - روي عن عبد الله بن عباس كما عزا الغزنوي إليه انظر: مصاعد النظر (۲/ ۱۹۱).. ب - مروي أيضا عن قتادة، حكاه عنه المهدوي ¬انظر: التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل للمهدوي (٥٤ ق/ ب)، وانظر: المحرر الوجيز (۱۰/ ۳) نقلا عن المهدوي. والمهدوي هو أحمد بن عمار بن أبي العباس، صنف التحصيل، وشرح الهداية - في توجيه القراءات - توفي -رحمه الله- في حدود (٤٤۰ هـ). ترجمته: معرفة القراء (۱/ ۳۹۹)، طبقات المفسرين للداوودي (۱/ ٥٦ - ٥۷). هذا وقد قام الباحث عليّ بن محمد الهرموش بدراسة عن المهدوي ومنهجه في التحصيل مع تحقيق سورة الفاتحة والبقرة، حصل بها على درجة الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. كما قام أخونا الدكتور حازم حيدر بتحقيق كتاب شرح الهداية - في توجيه القراءات - نال بها درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة. وقد صدر أخيراً عن مكتبة الرشد بالرياض في مجلدين.¥. جـ - مقاتل بن سليمان كما في تفسيره انظر: تفسير مقاتل (۲/ ۳٦٤).، وحكاه عنه البقاعي انظر: مصاعد النظر (۲/ ۱۹۱).. د - النقاش كما نقله عنه ابن عطية انظر: المحرر الوجيز (۱۰/ ۳). هـ - قال ابن عطية -رحمه الله-: "والظاهر عندي أن المدني فيها كثير، وكل ما نزل في شأن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة فهو مدني" المحرر الوجيز (۱۰/ ۳).. و - وقال السيوطي -رحمه الله- محاولاً الجمع بين الأقوال: "والذي يجمع به بين الاختلاف أنها مكية إلّا آيات منها" الإتقان (۱/ ۳٦).. ز - ويقول الآلوسي -رحمه الله- معقباً على إنكار سعيد بن جبير والشعبي من أن يكون قوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} نزل في عبد الله بن سلام قال: "وهذا لا يعوّل عليه، فمن حفظ حجة على من لم يحفظ، وأجيب عن شبهة ابن جبير بأنهم قد يقولون إن السورة مكية وبعض آياتها مدنية. فلتكن هذه من ذاك" روح المعاني (۱۳/ ۱۷٥).. القائلون بأن سورة الرعد مدنية من حيث الجملة مع اشتمالها على آيات مكية. روي هذا القول عن ابن عباس أيضا كما حكى عنه أبو القاسم الأصبهاني ¬هو إسماعيل بن محمد بن الفضل القرشي الأصبهاني المشهور بقوام السنة، صنف الإيضاح في التفسير، والحجة في بيان المحجة، توفي -رحمه الله- سنة (٥۳٥ هـ). ترجمته: السير (۲۰/ ۸۰ - ۸۸)، طبقات لمفسرين للداوودي (۱/ ۱۱٤ - ۱۱٥).¥ في تفسيره ¬الإيضاح في التفسير لأبي القاسم الأصبهاني نسخة غير مرقمة برقم (۷۸۹۲) وانظر أيضا: مصاعد النظر (۲/ ۱۹۱) نقلا عن أبي القاسم الأصبهاني. هذا وقد حقق قسم من تفسير أبي القاسم الأصبهاني في رسائل علمية بالجامعة الإسلامية بالمدينة.¥، وروي كذلك عن قتادة كما أخرجه ابن المنذر وأبو الشيخ في تفسيرهما، فقد جاء في الدر المنثور للسيوطي ما نصه: "وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: سورة الرعد مدنية إلّا آية مكية {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ} " الدر المنثور (٤/ ٥۹۹).. وجاء في الإتقان ما نصه: "أخرج أبو الشيخ -رحمه الله- عن قتادة قال: سورة الرعد مدنية إلّا آية، قوله: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ} " الإتقان (۱/ ٤٥).. بيان القول الراجح: بعد العرض السابق لرأي كل قول من الأقوال الأربعة، وبيان أدلة كل قول، ترجح لديّ - والعلم عند الله تعالى - القول بأن سورة الرعد كلها مكية، وذلك لا يلي: أولاً: أن الطرق التي ورد فيها القول بمكية السورة عن ابن عباس من بينها طرق صحيحة كطريق عليّ بن أبي طلحة، بخلاف الطرق التي ورد فيها القول بمدنية السورة فهي طرق ضعيفة. ثانيا: من خلال دراستي للآيات التي قيل إنهنّ مستثناة من مكية السورة تبين لي أن الروايات الدالة على مدنية تلك الآيات روايات لاتقوم بها حجة. ثالثاً: أن القول بأن سورة الرعد مكية كلها هو قول جمهور المفسرين. قال النحاس: -رحمه الله-: "وروى حميد عن مجاهد قال: سورة الرعد مكية، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وروى سعيد عن قتادة قال: سورة الرعد مدنية إلّا آية واحدة، قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ} والقول الأول أولى لأنَّه المتعارف" الناسخ والمنسوخ للنحاس (۲/ ٤۷۸ - ٤۷۹).. وقال أبو حيان -رحمه الله-: "والجمهور على أنها مكية" البحر والمحيط (٦/ ٤۰۲).. ويقول ابن الحصار في منظومته الرائية التي أوردها ضمن كتابه "الناسخ والمنسوخ": فالرعد مختلف فيها متى نزلت ... وأكثر الناس قالوا الرعد كالقمر ¬الإتقان (۱/ ۳۳) وكتاب الناسخ والمنسوخ لابن الحصار مفقود لايعرف له وجود إلى الآن. وقوله: "الرعد كالقمر" أي أن سورة الرعد كسورة القمر من حيث مكية كل منهما. هذا وقد أورد المنظومة المذكورة أيضا المراكشي في كتابه الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة في أثناء ترجمته لابن الحصار. انظر: السفر الثامن، القسم الأول (ص: ۲۱۱).¥. رابعا: أن المتأمل في سورة الرعد ليجد فيها خصائص القرآن المكي في مبناها اللغوي من حيث تفسير ألفاظها، وفي مضمونها المعنوي كالعناية بأسس العقيدة، وتصديق مواقف الكافرين، وتثبيت فؤاد النبي - صلى الله عليه وسلم -. مناقشة الروايات التي مفادها أن بعض آيات السورة مدنيات. وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: مناقشة الرواية التي مفادها أن قوله تعالى: {اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} الآية إلى قوله {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} مدني. لقد سبق أن ذكرت ضمن الأدلة التي استدل بها القائلون بمدنية السورة أن قوله تعالى: {اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} الآية إلى قوله تعالى: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} نزل في قصة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد نوقش هذا السبب بما يلي: أولاً: أن هذه الرواية ضعيفة المعجم الكبير (۱۰/ ۳۱۲ - ۳۱۳) برقم (۱۰۷٦۰)، وأخرجه أيضا في الأوسط بنحوه (۱۰/ ٥۹ - ٦۱) برقم (۹۱۲۳)، قال الهيثمي في المجمع (۷/ ٤٥): "رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه ... وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف".. ثانيا: أن سياق الآيات لا يدل على القصة إلّا باحتمال بعيد. قال الطبري -رحمه الله- بعد أن أورد القصة عن ابن زيد: "وهذا الذي قاله ابن زيد في تأويل هذه الآية قول بعيد من تأويل الآية مع خلافه أقوال من ذكرنا قوله من أهل التأويل، وذلك أنه جعل الهاء في قوله: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} من ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يجر له في الآية التي قبلها ولا في الأخرى ذكر، إلّا أن يكون أراد أن يردّها على قوله: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ}، فإن أراد ذلك فذلك بعيد لما بينهما من الآيات بغير ذكر الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا كان كذلك فكونها عائدة على "من" التي في قوله: {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ} أقرب؛ لأنَّه قبلها، والخبر بعدها عنه" تفسير الطبري (۱٦/ ۳۸۲).. المسألة الثانية: مناقشة الرواية الدالة على أن يهوديًّا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ربه، وفيه نزل قوله تعالى: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}. إن هذه الرواية قد نوقشت بما يلي: أولاً: أن إسنادها مرسل ضعيف ¬تفسير الطبري (۱٦/ ۳۹۱) برقم (۲۰۲٦۷). إسناده مرسل، وإضافة إلى ذلك ففيه ليث بن أبي سليم صدوق اختلط أخيرا، و لم يتميز حديثه فترك. التقريب (۲/ ۱۳۸). وفيه أيضا المثنى بن إبراهيم مجهول، فالإسناد ضعيف إذاً.¥. ثانيا: أن الرواية المعتمدة في سبب نزول هذه الآية ليس فيها ما يدلّ على كون الآية مدنية، بل لفظ الرواية يقتضي أن نزول الآية كان قبل الهجرة ونصها كما يلي: قال البزار: حدثنا عبدة بن عبد الله، أنبا يزيد بن هارون، أنبا ديلم بن عزوان، ثنا ثابت عن أنس، قال: "بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً من أصحابه إلى رجل من عظماء الجاهلية يدعوه إلى الله تبارك وتعالى، فقال: أيش ربك الذي تدعونى إليه؟ من حديد هو؟ من نحاس هو؟ من فضة هو؟ من ذهب هو؟ فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فأعاده النبي - صلى الله عليه وسلم - الثانية، فقال مثل ذلك، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فأرسله إلي الثالثة، فقال مثل ذلك، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فأرسل الله تبارك وتعالى عليه صاعقة فأحرقته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله تبارك وتعالى قد أرسل على صاحبك صاعقة فأحرقته فنزلت هذه الآية: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} " ¬كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة (۳/ ٥٤) برقم (۲۲۲۱) قال الهيثمي في المجمع (۷/ ٤٥): "ورجال البزار رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان وهو ثقة". والأثر أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (۱/ ۳۰٤) برقم (٦۹۲) من طريق ديلم به، وأبو يعلى في مسنده من طريقين، طريق ديلم به (٦/ ۸۷ - ۸۸) برقم (۳۳٤۱)، ومن طريق عليّ بن أبي سارة عن ثابت به (٦/ ۸۹) برقم (۳۳٤۲)، وهذا الطريق ضعيف لضعف عليّ بن أبي سارة. انظر: التقريب (۲/ ۳۷). وأخرجه أيضا النَّسَائِيّ في تفسيره (۱/ ٦۱۱ - ٦۱۳) برقم (۲۷۹) من طريق عليّ بن أبي سارة عن ثابت به. والطبري في التفسير (۱٦/ ۳۹۲) برقم (۲۰۷۰)، والطبراني في الأوسط (۳/ ۲۸٦) برقم (۲٦۲۳) والعقيلي في الضعفاء الكبير (۳/ ۲۳۲ - ۲۳۳) كلهم كذلك من طريق عليّ بن أبي سارة عن ثابت به. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ۲۸۳) وفي الأسماء والصفات (۲/ ۳۷ - ۳۸) برقم (٦۰٥) والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٥/ ۸۸) برقم (۱۷۱۰) كلاهما من طريق ديلم به. وللأثر شاهد مرسل صحيح الإسناد عن عبد الرحمن بن صحار العبديّ أخرجه الطبري في التفسير (۱٦/ ۳۹۱) برقم (۳۰۲٦٦٦)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (۲/ ۹٤۳) برقم (۱۰٥۷).¥. ثالثا: أن بعض نقاد المفسرين انتقد جعل قصة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس أو قصة اليهودي سببا للآية. قال ابن عاشور -رحمه الله-: "ولما كان عامر بن الطفيل إنما جاء المدينة بعد الهجرة، وكان جدال اليهود لا يكون إلّا بعد الهجرة أقدم أصحاب هذه الأخبار على القول بأن السورة مدنية، أو أن هذه الآيات منها مدنية، وهي أخبار ترجع إلى قول بعض الناس بالرأي في أسباب النزول، و لم يثبت في ذلك خبر صحيح صريح، فلا اعتداد بما قالوه فيها. ولا يخرج السورة عن عداد السور المكية" التحرير والتنوير (۱۳/ ۱۰۷).. المسألة الثالثة: مناقشة الرواية الدالة على أن قوله تعالى: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} الآية مدني بناءً على أنه نزل في صلح الحديبية. نوقشت هذه الرواية بما يلي: أولا: أن إسنادها مرسل ضعيف ¬تفسير الطبري (۱٦/ ٤٤٦) برقم (۲۰۳۹۸). إسناده مرسل ضعيف، ففيه الحسين بن داود المصيصيّ المشهور بسنيد، ضعيف، وفيه أيضا عنعنة ابن جريج وهو مدلس. مزيدا من التفصيل في الحكم على هذا الإسناد انظر (ص: ٥٤۱). والأثر أخرجه الثعلبي في تفسيره بنحوه (۲/ ۷٤۹ ق/ أ)، والواحدي في البسيط (٤/ ۱۷۱ ق/ ب).¥. ثانياً: أن نص الرواية يبدو أنه استنباط من معنى الآية، ولأجل هذا ليس في الرواية التصريح بالسببية. ثالثا: أن رواية الصحيح ليس فيها ذكر لهذه الآية أصلاً، ففي حديث البخاري الطويل في قصة يوم الحديبية روى بسنده عن مسور بن مخرمة ومروان وفيه: " ... فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الكاتب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما "الرحمن" فو الله ما أدري ما هي، ولكن اكتب "باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّا "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "اكتب باسمك اللهم" ... " صحيح البخاري مع الفتح (٥/ ۳۸۸) برقم (۲۷۳۱) كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد ... . رابعاً: انتقد بعض المفسرين مقتضى هذه الرواية، وفي هذا يقول ابن جزي -رحمه الله- في تفسيره: "قيل إنها نزلت في أبي جهل، وقيل نزلت في قريش حين عاهدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية، فكتب الكاتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال قائلهم: نحن لا نعرف الرحمن، وهذا ضعيف؛ لأن الآية نزلت قبل ذلك، ولأن تلك القصة إنما أنكروا فيها التسمية فقط" التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (۲/ ۲٤۷).. وقال ابن عاشور -رحمه الله-: "ويبعده أي صحة السبب - أن السورة مكية كما تقدم" التحرير والتنوير (۱۳/ ۱٤۱).. المسألة الرابعة: مناقشة الرواية الدالة على أن قوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} نزل في عبد الله بن سلام. سبق أن ذكرت ضمن أدلة القائلين بمدنية السورة رواية الترمذي بسنده عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، وكان مقتضى هذه الرواية أن قوله تعالى {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} مدنيّ بناءً على أن الآية نزلت في عبد الله بن سلام، وقد نوقش هذا السبب بما يلي: أولا: أن هذه الرواية ضعيفة ¬سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي (۹/ ۹۸ - ۹۹) برقم (۳٤۷۳) كتاب التفسير، سورة الأحقاف. قال الترمذي: "هذا حديث غريب"، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ص: ٤۱٤ - ٤۱٥) برقم (٦٤۲) والحديث أخرجه الطبري في تفسيره مختصرا (۱٦/ ٥۰۱) برقم (۲۰٥۳٥).¥. ثانيا: أن كثيراً من نقاد المفسرين انتقدوا القول بنزول الآية في عبد الله بن سلام، وإليك نماذج من أقوالهم: أ - أخرج الطبري -رحمه الله- في تفسيره من طريق سعيد بن منصور عن أبي عوانة عن أبي بشر قال: "سألت سعيد بن جبير عن قول الله {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} أهو عبد الله بن سلام؟ قال: فكيف وهذه السورة مكية، وكان سعيد يقرؤها {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} تفسير الطبري (۱٦/ ٥۰٥ - ٥۰٦) برقم (۲۰٥٥٦).. ب - وممن أنكر نزول الآية في عبد الله بن سلام الشعبي -رحمه الله- فقد أورد البغوي في تفسيره قول الشعبي: "السورة مكية وعبد الله بن سلام أسلم بالمدينة" معالم التنزيل (٤/ ۳۲۸). جـ - وقال النحاس -رحمه الله- بعد أن ذكر قول سعيد بن جبير السابق: "أنكر هذا سعيد بن جبير؛ لأن السورة مكية وعبد الله بن سلام إنما أسلم بالمدينة" الناسخ والمنسوخ للنحاس (۲/ ٤۷۹).. د - وقال ابن عبد البر -رحمه الله- في ترجمة عبد الله بن سلام تعقيباً على قول من قال إن قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} سورة الأحقاف الآية (۱۰). وقوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} نزلا في عبد الله بن سلام قال: " فالقولان جميعاً لاوجه لهما عند الاعتبار" الاستيعاب (۳/ ۹۲۳).. هـ - ويقول أبو حيان -رحمه الله- معقبا على قول قتادة ومجاهد في نزول الآية في عبد الله بن سلام: "وهذان القولان لايستقيمان إلّا على أن تكون الآية مدنية، والجمهور على أنها مكية" البحر المحيط (٦/ ٤۰۲).. و - وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- معقباً على ما روي عن مجاهد من نزول الآية في عبد الله بن سلام: "وهذا القول غريب؛ لأن هذه الآية مكية، وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة" تفسير ابن كثير (۲/ ٥٤۰) وانظر قول مجاهد في تفسيره (ص: ۳۳۱).. وقال أيضا مبيّنا القول الصحيح في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}: "والصحيح في هذا أن {وَمَنْ عِنْدَهُ} اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونعته في كتبهم المتقدمة من بشارات الأنبياء به كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} جزء من الآية (۱٥٦) سورة الأعراف. وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} سورة الشعراء الآية (۱۹۷). وأمثال ذلك مما فيه من الأخبار عند علماء بني إسرائيل أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة" تفسير ابن كثير (۲/ ٥٤۰).. ز - ويقول العلامة القاسمي -رحمه الله-: "ويروى عن مجاهد أنه عنى {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} عبد الله بن سلام، ونوقش بأن السورة مكية، وإسلامه كان بالمدينة" محاسن التأويل للقاسمي (۹/ ۳۷۸).. ثالثا: وعلى فرض صحة نزول الآية في عبد الله بن سلام فإنه لا ينافي كون الآية مكية، إذ قد يكون الكلام إخباراً عما سيشهد به. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- تعقبا على قول بعض المفسرين من أن قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} جزء من الآية (۱۰) سورة الأحقاف. نزل في عبد الله بن سلام مع أن سورة الأحقاف مكية، قال: "ولا مانع أن تكون جميعها مكية، وتقع الإشارة فيها إلى ما سيقع بعد الهجرة من شهادة عبد الله بن سلام" الفتح (۷/ ۱٦۲).. الاعتراضات التي اعترض بها على رأي الجمهور والجواب عنها اعترض على رأي الجمهور باعتراضين، وإليك ذكر الاعتراضين والجواب عنهما: الاعتراض الأول: أن ما ذهب إليه الجمهور من أن إسلام عبد الله بن سلام لم يكن إلّا بالمدينة غير مسلَّم، إذ قد أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة رواية مفادها أن إسلامه كان بمكة، ثم رجع إلى المدينة فكتم إسلامه إلى أن هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة" انظر: دلائل النبوة لأبي نعيم (۲/ ٤٥۸ - ٤٦۰) برقم (۲٤٦).. وهكذا فإن اعتراض الجمهور في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} بأنه عبد الله بن سلام ليس وارداً في الآية. الجواب عن هذا الاعتراض: أجاب الجمهور على الاعتراض السابق بما يلي: أولاً: أن رواية أبي نعيم إسنادها ضعيف، ففيه محمد بن مصفى بن بهلول، قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق له أوهام، وكان يدلس" التقريب (۲/ ۲۰۸)، وانظر تعريف أهل التقديس (ص: ۱۰۹).. وقد عنعن في الرواية، وفيه أيضا الوليد بن مسلم وهو مدلس كذلك وقد عنعن انظر: التقريب (۲/ ۳۳٦)، تعريف أهل التقديس (ص: ۱۳٤).. ثانيا: أن القول بأن إسلام عبد الله بن سلام كان بمكة من أحاديث الأحبار - أي من الروايات الإسرائيلية -، ومعلوم أن الروايات الإسرائيلية تنقسم على ثلاثة أقسام من حيث الاستشهاد بها، وهي على النحو التالي: أ - ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح. ب - ما علمنا كذبه. بما عندنا مما يخالفه جـ - ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به، ولا نكذبه، وتجوز حكايته انظر هذا التقسيم في: مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية ص: (۹۰ - ۹۱) تفسير ابن كثير (۱/ ٤) نقلا عن ابن تيمية.، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير لأبي شهبة (ص: ۱۰٦ - ۱۰۸)، الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير للدكتور رمزي نعناعة (ص: ۸۲ - ۸٥).. ورواية أبي نعيم من القسم الثاني، وذلك لمخالفتها لما ثبت في صحيح البخاري من أن إسلامه كان حينما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة. انظر: صحيح البخاري مع الفتح (۷/ ۳۱۹) برقم (۳۹۳۸) كتاب مناقب الأنصار. قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- بعد أن ذكر القول المعتمد عند الجمهور - في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} قال: "وقد ورد في حديث الأحبار عن عبد الله بن سلام بأنه أسلم بمكة قبل الهجرة" تفسير ابن كثير (۲/ ٥٤۰). ثم أورد رواية أبي نعيم المذكورة. الاعتراض الثاني: أن القراءة في قوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} تناقض ما ذهب إليه الجمهور من أن قوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} يراد به علماء أهل الكتاب عموماً. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، ففي مسند أبي يعلى من طريق عبد الرحيم بن موسى عن سليمان بن أرقم عن الزهري، عن سالم عن أبيه - عبد الله بن عمر - قال: "قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} " مسند أبي يعلى الموصلي (۹/ ٤۲٤) برقم (٥٥۷٤).. الجواب عن هذا الاعتراض: أجاب الجمهور على هذا الاعتراض. بما يلي: أولا: أن الحديث الوارد في هذه القراءة ضعيف، ففي إسناده سليمان بن أرقم وهو متروك الحديث انظر: الجرح لابن أبي حاتم الرازي (٤/ ۱۰۰ - ۱۰۱).، وفيه عبد الرحيم بن موسى" مجهول" انظر: ميزان الاعتدال (۲/ ٦۰۷).. قال الطبري -رحمه الله- بعد أن أورد هذا الحديث من طريق هارون الأعور عن الزهري به: "وهذا خبر ليس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهري" تفسير الطبري (۱٦/ ٥۰٦).. وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- بعد أن ذكر الحديث وتعليق الطبري عليه: "وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من طريق هارون في مسند أبي يعلى "عبد الرحيم" ولعله هو الصواب. بن موسى هذا عن سليمان بن أرقم وهو ضعيف عن الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعاً كذلك ولا يتبين، والله أعلم" تفسير ابن كثير (۲/ ٥٤۰).. وقال الهيثمي: "رواه أبو يعلى، وفيه سليمان بن أرقم، وهو متروك" مجمع الزوائد (۷/ ۱٥۸) باب القراءات.. والحديث ضعفه الإمام السيوطي انظر: الدر (٤/ ٦٦۸).. ثانيا: أن هذه القراءة من القراءات الشاذة انظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها لابن جني (۱/ ۳٥۸)، مختصر في شواذ القراءات المنسوب لابن خالويه (ص: ٦۷)، إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر للبنا الدمياطي (۲/ ۱٦۳) القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب للشيخ عبد الفتاح القاضي (ص: ٥۷).، ومعلوم عند أهل العلم أن القراءة الشاذة لا يستشهد بها اللهم إلّا في قضايا النحو واللغة، فهي أوثق - من هذه الناحية - من أبيات الشعر المجهولة القائل، بل أوثق ممن عرف قائلها في علوم القراءات مدخل ودراسة وتحقيق للدكتور السيد رزق الطويل (ص: ٦٦) بتصرف يسير.. ثالثا: أن من مستلزمات هذه القراءة عطف الصفة على الموصوف وهذا غير جائز في القواعد العربية. قال ابن عطية -رحمه الله- بعد أن ذكر هذه القراءة والمعنى الذي يراد بها: "ويعترض هذا القول بأن فيه عطف الصفة على الموصوف، وذلك لا يجوز وإنما تعطف الصفات بعضها على بعض" ¬المحرر الوجيز (۱۰/ ٥٤ - ٥٥). أورد الكرماني -رحمه الله- هذه القراءة في غرائب التفسير وعجائب التأويل. وذكر أن التفسير الذي يستلزم على هذه القراءة من التفاسير الغريبة العجيبة. انظر: غرائب التفسير وعجائب التأويل للكرماني (۱/ ٥۷۲).¥ وخلاصة القول: أن سورة الرعد مكية للأدلة السابقة الذكر، وأما الروايات التي مقتضاها أن بعض آيات السورة مدنيات فهي ليست إلّا مناسبات تفسير الآيات بالأمثلة، ولا يلزم أن تكون أسباباً مباشرة.