الفهرس

سُورة الأنفال
(سورة الأنفال مدنية) أجمع أهل التفسير على مدنية سورة الأنفال، وفيما يلي نذكر نقولات بعضهم الدالة على هذا الإجماع: قال ابن عطية -رحمه الله-: "هي مدنية كلها، كذا قال أكثر الناس" المحرر الوجيز (۸/ ۳).. وقال الفيروزآبادي: "أعلم أن هذه السورة مدنية بالإجماع" البصائر (۱/ ۲۲۲).. وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "فقد اتفقوا على أن الأنفال مدنية، لكن قيل إن قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية نزلت بمكة، ثم نزلت سورة الأنفال بالمدينة، وهذا غريب جداً" الفتح (۸/ ٦٥۷).. ويقول البقاعي -رحمه الله-: "مدنية إجماعاً نزلت في بدر" مصاعد النظر (۲/ ۱٤٤).. وقال الآلوسي -رحمه الله-: "مدنية كما روي عن زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما" روح المعاني (۹/ ۱٥۷).. وقال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله-: "سورة الأنفال مدنية كلها، كما روي عن الحسن وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء وعبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت" تفسير المنار (۹/ ٥۳٦).. الروايات الدالة على مدنية السورة: ۱ - أخرج الإمام البخاري بسنده عن سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عباس رضي الله عنهما: سورة الأنفال، قال: نزلت في بدر" صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱٥٦) برقم (٤٦٤٥) كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ}.. وجه الدلالة: من المعلوم في السيرة أن غزوة بدر كانت في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وهذا يقتضي أن تكون السورة مدنية النزول انظر تاريخ الغزوة في: الطبقات الكبرى لابن سعد (۲/ ۱۹)، سيرة ابن هشام (۲/ ٦٦٥).. ۲ - وأخرج الإمام أحمد من طريق عوف بن أبي جميلة عن يزيد الفارسي قال: قال ابن عباس: "قلت لعثمان بن عفان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا، قال ابن جعفر بينهما سطراً: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه الشئ يدعو بعض من يكتب عنده يقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وينزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وينزل عليه الآية فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة وبراءة من آخر القرآن، فكانت قصتها شبيهة بقصتها، فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبين لنا أنها منها، وظننت أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطراً بسم الله الرحمن الرحيم، قال ابن جعفر: ووضعتها في الطوال" ¬المسند (۱/ ۳۲۹ - ۳۳۱) برقم (۳۹۹) طبعة شاكر. وفي إسناده يزيد الفارسي وهو مختلف فيه، فقيل هو يزيد بن هرمز، وقيل غيره، قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره ترجمة يزيد بن هرمز: "وهو غير يزيد الفارسي على الصحيح" التقريب (۲/ ۳۷۲). وقال ابن حجر في يزيد الفارسي: "مقبول" التقريب (۲/ ۳۷۳) والحديث أخرجه الإمام أبو داود (۱/ ٤۹۸) برقم (۷۸٦) كتاب الصلاة، باب من جهر بها، والترمذي، انظر سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي (۸/ ۳۷۹ - ۳۸۱) برقم (۳۲۸۲) التفسير، سورة التوبة. وقال: "هذا حديث حسن لا نعرفه إلّا من حديث عوف بن يزيد الفارسي عن ابن عباس" وأخرجه الحاكم في المستدرك (۲/ ۲۲۱) وقال: "صحيح الإسناد و لم يخرجاه" ووافقه الذهبي. وقد ضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند من أجل يزيد الفارسي، فقال: "وفي إسناده نظر كثير، بل هو عندي ضعيف جداً، بل هو حديث لا أصل له، يدور إسناده في كل رواياته على يزيد الفارسي". وذكر الشيخ أحمد شاكر أن ما جاء في نسخة الترمذي - طبعة بولاق - من قوله "حسن صحيح" أن التصحيح زيادة خطأ، وأن النسخ الصحيحة التي شرحها المباركفوري ليس فيها هذا. وضعف كذلك الشيخ شاكر الحديث من جهة المتن فقال: "وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعيّ قراءة وسماعاً وكتابة في المصاحف، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه، وحاشاه من ذلك ... " وختم الشيخ شاكر كلامه على هذا الحديث بقوله: "فلا عبرة بعد هذا كله في هذا المرضوع بتحسين الترمذي ولا بتصحيح الحاكم ولا بموافقة الذهبي، وإنما العبرة بالحجة والدليل". انظر مما سبق من كلام الشيخ أحمد شاكر في تعليقاته على المسند (۱/ ۳۲۹ - ۳۳۱). وضعفه كذلك الشيخ ناصر الدين الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ص: ۳۸۰ - ۳۸۱) برقم (٥۹۹) وفي ضعيف سنن أبي داود (ص: ۷۸) برقم (۱٦۸). وضعف قبلهما ابن عطية فقال: "وهذا القول يضعفه النظر أن يختلف في كتاب الله هكذا" المحرر الوجيز (۸/ ۱۲٤).¥. ۳ - وأخرج ابن الضريس من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس فذكر فيما نزل من القرآن بمكة وما نزل بالمدينة، وسورة الأنفال من القسم المدني ينظر: فضائل القرآن لابن الضريس (ص: ۳٤).. ٤ - وأخرج النحاس من طريق أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس قال: "ونزلت سورة الأنفال بالمدينة فهى مدنية" الناسخ والمنسوخ للنحاس (۲/ ۳٦٥).. ٥ - وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: "نزلت سورة الأنفال بالمدينة" الدر (٤/ ۳).. ٦ - وأخرج ابن مردويه عن زيد بن ثابت قال: "نزلت الأنفال بالمدينة" الدر (٤/ ۳).. ۷ - وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: "نزلت بالمدينة سورة الأنفال" الدر (٤/ ۳).. ۸ - وأخرج أبو عمرو الداني من طريق فضيل بن الحسين عن حسان بن إبراهيم عن أمية الأزدي عن جابر بن زيد، فذكر السور المكية والمدنية، وسورة الأنفال من القسم المدني انظر: البيان للداني (ص: ۱۳٦).. ۹ - وأخرج البيهقي من طريق علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن فذكرا السور المكية والمدنية وسورة الأنفال من القسم المدني انظر: دلائل النبوة (۷/ ۱٤۲ - ۱٤۳).. ۱۰ - وأخرج الحارث المحاسبي من طريق سفيان بن عيينة عن معمر عن قتادة فذكر السور المدنية ومنها سورة الأنفال انظر: فهم القرآن (ص: ۳۹٥).. ۱۱ - وأخرج أبو عبيد من طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة فعدد السور المدنية، ومنها سورة الأنفال انظر: فضائل القرآن لأبي عبيد (ص: ۳٤۰) برقم (۷۹٦).. ۱۲ - وأورد الزهري ترتيب السور المكية والمدنية، والأنفال معدودة من القسم المدني انظر: تنزيل القرآن (ص: ۲۹).. ۱۳ - وأخرج أبو عمرو الداني من طريق أحمد بن موسى عن يحيى بن سلام البصري عن أئمته أن سورة الأنفال مدنية" انظر: البيان للداني (ص: ۱٥۸).. ۱٤ - وأورد أبو القاسم النيسابوري ترتيب السور المكية والمدنية، وسورة الأنفال معدودة من القسم المدني انظر: التنزيل وترتيبه (۲۲۳ ق/ ب).. ۱٥ - وعدد ابن شيطا السور المدنية، ومنها سورة الأنفال. انظر: فنون الأفنان (ص: ۳۳۷ - ۳۳۸). بعض روايات أسباب النزول الدالة على مدنية السورة. ۱ - أخرج الإمام البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما نزلت {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد منهم من عشرة، فجاء التخفيف فقال {الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} قال: فلما خفف الله من العدّة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم" صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱٦۳) برقم (٤٦٥۳) كتاب التفسير، باب {الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ} الآية.. وجه الدلالة: إن وجه الاستدلال بهذا الحديث هو أن الآية الأولى نزلت في وجوب مصابرة الواحد للعشرة، ثم خفف الله عز وجل في الآية الثانية وأوجب مصابرة الواحد للاثنين فقط، وهذا في الجهاد، ومعلوم أن فرض الجهاد كان بعد الهجرة إلى المدينة، بعد أن صار للمسلمين أرض يمتلكون السيادة عليها. ۲ - وأخرج الإمام مسلم بسنده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: "أخذ أبي من الخمس سيفاً، فأتى به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: هب لي هذا، فأبى، فأنزل الله عز وجل {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} " صحيح مسلم (۳/ ۱۳٦۷) برقم (۱۷٤۸) كتاب الجهاد والسير، باب الأنفال. وأخرجه مسلم أيضا مطولاً في فضائل سعد - رضي الله عنه - (٤/ ۱۸۷۷ - ۱۸۷۸) برقم (۱۷٤۸).. ۳ - وأخرج الإمام مسلم أيضا بسنده عن عمر بن الخطاب قال: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة رجلاً، فاستقبل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - القبلة، ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} فأمده الله بالملائكة." صحيح مسلم (۳/ ۱۳۸۳ - ۱۳۸٤) برقم (۱۷٦۳) كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم.. ٤ - وأخرج الطبراني من طريق موسى بن يعقوب الزمعي عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن حكيم بن حزام قال: "لما كان يوم بدر أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ كفا من الحصباء هو الحصى الصغار، انظر: النهاية (۱/ ۳۹۳).، فاستقبلنا به، فرمانا بها، وقال: "شاهت الوجوه" فانهزمنا، فأنزل الله عز وجل {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} " ¬المعجم الكبير (۳/ ۲۰۳) برقم (۳۱۲۸). قال الهيثمي: "وإسناده حسن" المجمع (٦/ ۷۷) والحديث أورده مقبل الوادعي في الصحيح المسند من أسباب النزول (ص: ۹۹ - ۱۰۰).¥.
الآيات المدعى مكيتها في سورة الأنفال:
في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَالله خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} سورة الأنفال، الآية (۳۰).. ذهب مقاتل بن سليمان، وأبو المظفر السمعاني، ونظام الدين النيسابوري إلى مكية هذه الآية انظر: تفسير مقاتل (۲/ ۹۷)، وتفسير أبي المظفر السمعاني (۱/ ۱٦۹ ق / ب)، وتفسير النيسابوري المسمى "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" (۹/ ۱۱۷).، كما روي القول بمكية الآية عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد. فقد أخرج الطبري -رحمه الله- في تفسيره من طريق ابن جريج عن عكرمة قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} قال: "هذه مكية"، ثم ذكر الطبري -رحمه الله- القول الذي روي عن مجاهد قال. قال ابن جريج: قال مجاهد: "هذه مكية" ¬تفسير الطبري (۳/ ٥۰۲) برقم (۱٥۹۷٦)، وإسناده ضعيف؛ ففيه الحسين بن داود المصيصي سنيد وهو ضعيف. انظر: التقريب (۱/ ۳۳٥)، وفيه ابن حريج مدلس من الثالثة وقد عنعن. انظر: التقريب (۱/ ٥۲۰)، وطبقات المدلسين لابن حجر (ص ۹٥). قال الأستاذ أحمد شاكر -رحمه الله- في تعليقه على هذا الأثر: "والقطع بأن هذه الآية أو اللاتي تليها آيات نزلت بمكة أمر صعب لا يكاد المرء يطمئن إلى صوابه، والاعتراض على ذلك له وجوه كثيرة لا محل لذكرها هنا".¥. وأما ما روي عن ابن عباس فإنني لم أقف على سند هذه الرواية، فغاية ما في الأمر أن الماوردي -رحمه الله- حكى في تفسيره عن ابن عباس أن في السورة سبع آيات مكيات مستثناة من مدنية السورة، بدءً من قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى آخر الآيات السبع يراجع: النكت والعيون (۲/ ۲۹۲).، وحكاه القرطبي أيضًا في تفسيره يراجع: تفسير القرطبي (۷/ ۳٦۰).. مستند هذا القول بمكية هذه الآية: يستند هذا القول إلى ما أخرجه الطبري -رحمه الله- في تفسيره من طريق ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن المطلب بن أبي وداعة: أن أبا طالب قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما يأتمر بك قومك؟ قال: "يريدون أن يسحروني أو يقتلونى أو يخرجونى"، فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: "ربي"، قال: نعم الرب ربك فاستوص به خيرًا، قال: "أنا أستوص به! بل هو يستوص بي"، قال: فنزلت {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} ¬تفسير الطبري (۱۳/ ٤۹۲ - ٤۹۳) برقم (۱٥۹٦۳). وفي إسناده ابن جريج، وقد عنعن فالإسناد ضعيف. هذا وقد صحح الأستاذ أحمد شاكر -رحمه الله- إسناد هذا الأثر، ولا أدري كيف هذا! وفيه مدلس من الثالثة وقد عنعن. قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبرت جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت به فحسبك به". وقال الدارقطني: "شر التدليس تدليس ابن جريج؛ فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح". تعريف أهل التقديس لابن حجر (ص ۹٥).¥. مناقشة هذا المستند: نوقش هذا المستند إضافة إلى ضعف إسناده بأن متنه منكر، قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- بعد أن أورد هذا الأثر في تفسيره: "وذكر أبي طالب في هذا غريب جدًا بل منكر! لأن هذه الآية مدنية، ثم إن القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل إنما كان ليلة الهجرة، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين لمَّا تمكنوا منه واجترءوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب الذي يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه" ¬تفسير ابن كثير (۲/ ۳۱٤ - ۳۱٥). ذكر الأستاذ أحمد شاكر -رحمه الله- في تعليقه على تفسير الطبري أن نقد ابن كثير لهذا الرواية ليس له وجه، وأن هذا الخبر لا علاقة له بأمر الهجرة، واستدل على ذلك بما أخرجه ابن إسحاق في السيرة، ومفاده أن قريشًا اجتمعوا ائتمار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا في الحجر، وكان ذلك في حياة أبي طالب، فحمل الأستاذ شاكر رواية الطبري على تلك القصة. انظر: تفسير الطبري (۱۳/ ٤۹٤). قلت: نعم لقد همت قريش مؤامرات عديدة قبل مؤامرة ليلة الهجرة، ولكن لم تعرف هذه الألفاظ: "يسحروني -وفي بعض الروايات يسجنوني- أو يقتلوني أو يخرجوني" إلا مؤامرة ليلة الهجرة، الأمر الذي يجعل ذكر أبي طالب هنا مستبعدًا بل منكرًا كما قاله الحافظ ابن كثير.¥. ومما يمكن أن يرد على دعوى مكية هذه الآية أن حديث الآية عن مكر قريش في العهد المكي لا يعني نزول الآية في ذلك الوقت، بل الآية تُذَكِّر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بنعمة الله في حمايته وإنقاذه من شبكة مكر الكافرين. أخرج الطبري -رحمه الله- في تفسيره من طريق محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قصة الهجرة مطولة، وفي نهايتها قال: "فأتى جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة الأنفال، يذكره نعمه عليه وبلاءه عنده: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} " ¬تفسير الطبري (۱۳/ ٤۹٤ - ٤۹٦) برقم (۱٥۹٦٥). وفي إسناد الطبري عنعنة ابن إسحاق، ولكن يشهد له ما أخرجه أحمد في المسند مختصرًا (٥/ ۸۷) برقم (۳۲٥۱) طبعة شاكر، وابن أبي حاتم بنحوه في تفسيره، سورة الأنفال برقم (۳۸۳) من طريق محمد بن إسحاق عن ابن أبي ليلى عن مجاهد به، والطبراني مختصرًا في المعجم الكبير (۱۱/ ٤۰۷) برقم (۱۲۱٥٥) من طريق عثمان الجزري عن مقسم عن ابن عباس. والأثر صححه السيوطي في الإتقان فقال: "استثني منها: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} قال مقاتل: نزلت بمكة، قلت: يرده ما صح عن ابن عباس أن هذه الآية بعينها نزلت بالمدينة". الإتقان (۱/ ٤٤).¥. من خلال هذه الرواية يتضح لنا أن هذه الآية الكريمة نزلت تذكيرًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- بما كان من حاله وحال قومه معه في العهد المكي. فهناك كثير من الآيات المدنية تتحدث عن أمور كانت في مكة قبل الهجرة، ففي هذه السورة نفسها نجد قول الله تبارك وتعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} سورة الأنفال، الآية (۲٦).، أليس هذا في العهد المكي؟ والآية مدنية باتفاق أهل العلم. قال البغوي -رحمه الله- في تفسيره عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} قال: "هذه الآية معطوفة على قوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ} واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا، وإذ قالوا اللهم؛ لأن هذه السورة مدنية، وهذا المكر والقول إنما كانا بمكة، ولكن الله ذكَّرهم بالمدينة، كقوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} الآية سورة التوبة، الآية (٤۰). " تفسير البغوي (۳/ ۳٤۹).. وقال أيضًا مشيرًا إلى هذه الآيات والآيات التي بعدها: "والأصح أنها نزلت بالمدينة، وإن كانت الواقعة بمكة" تفسير البغوي (۳/ ۳۲۳). وقال ابن العربي -رحمه الله- منتقدًا دعوى مكية هذه الآية: "قد قيل إن سورة الأنفال مدنية إلا قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} فإنهما مكيتان، فإن كان هذا بنقل صحيح فبها ونعمت، وإن كان بحكم الظن فإن هاتين الآيتين جرت قصتهما بمكة، فلا يصح هذا؛ لأن القصة قد تجري بمكة وتذكر بالمدينة" الناسخ والمنسوخ لابن العربي (۲/ ۲۲٤).. وبمثل هذا التوجيه وجَّه المفسرون قولي عكرمة ومجاهد، بمعنى أنهما أرادا الإشارة إلى القصة لا إلى الآية. قال ابن عطية -رحمه الله- مشيرًا إلى هذا التوجيه: "وحكى الطبري عن عكرمة ومجاهد أن هذه الآية مكية، وحكى عن ابن زيد أنها نزلت عقب كفاية الله رسوله المستهزئين بما أحله بكل واحد منهم ... ويحتمل عندي قول عكرمة ومجاهد: هذه مكية أن أشارا إلى القصة لا إلى الآية" ¬المحرر الوجيز (۸/ ٤۷)، ومما يؤيد احتمال ابن عطية ما قاله القرطبي في تفسيره فقال: "مدنية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء"، ويعني به السورة كلها، بدليل أنه ذكر بعد ذلك استثناء ابن عباس للآيات السبع فحسب. انظر: تفسير القرطبي (٤/ ۳٦۰). وأوضح من هذا ما قاله صديق حسن خان في فتح البيان حيث قال: "صرح كثير من المفسرين بأنها مدنية، لم يستثنوا منها شيئًا، وبه قال الحسن وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء وعبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت". فتح البيان في مقاصد القرآن (٤/ ۳).¥. ويقول أبو حيان -رحمه الله-: "وهذه الآية مدنية كسائر السورة، وهو الصواب، وعن عكرمة ومجاهد أنها مكية ... ويتأول قول عكرمة ومجاهد على أنهما أشارا إلى قصة الآية لا إلى وقت نزولها" البحر المحيط (٥/ ۳۰۹).. والخلاصة: أن هذه الآية مدنية، وحديثها عن مكر قريش في الماضي لا يعني مكية الآية؛ إذ هي تذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بنعمة الله في الإنجاء من القوم، والله أعلم. في قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} سورة الأنفال الآية (۳۱).. ورد القول بمكية هذه الآية من أبي المظفر السمعاني ونظام الدين النيسابوري انظر: تفسير أبي المظفر السمعاني (۱/ ۱٦۹ ق / ب)، تفسير النيسابوري (۹/ ۱۱۷).، إضافة إلى ما جاء في رواية ابن عباس في استثنائه الآيات السبع انظر: النكت والعيون (۲/ ۲۹۲)، تفسير القرطبي (۷/ ۳٦۰).، ويبدو أن هذه الآية كسابقتها وهو أن الدافع إلى القول بمكيتها هو ما تحكيه من أحداث كانت قبل الهجرة، فقد قال المفسرون: إن الآية نزلت في النضر بن الحارث، وذلك أنه سمع أحاديث أهل الحيرة ¬والحِيْرة: بالكسرة ثم السكون مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة، على موضع يقال له: النجف: وكانت مسكن ملوك العرب، في الجاهلية، وقد احتلت اليوم مدينة النجف موقع الحيرة. انظر: معجم البلدان (۲/ ۳۷٦ - ۳۸۰)، معجم ما استعجم (۱/ ٤۳۸ - ٤۳۹)، معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية (ص: ۱۰۸).¥. وكان كثير السفر إلى بلاد فارس، وسمع أخبار الرهبان وقصص الملوك، فلما قدم إلى مكة، وسمع القرآن، ورأى ما فيه من أخبار الأنبياء والأمم، قال: لو شئت لقلت مثل هذا انظر: المحرر الوجيز (۸/ ٥۰)، زاد المسير (۳/ ۲٦٤)، تفسير ابن كثير (۲/ ۳۱٦).. مناقشة القول بمكية هذه الآية: ورغم أن حديث الآية عن أحداث كانت قبل الهجرة لا يلزم منه أن تكون الآية مكية، إذ القصة كما يقول ابن العربي: "قد تجري بمكة وتذكر بالمدينة" الناسخ والمنسوخ لابن العربي (۲/ ۲۲٤). رغم ذلك وردت آثار تدل على نزول الآية عقب غزوة بدر، وهي آثار مرسلة إلّا أن بعض هذه المراسيل صحيحة السند، منها مرسل سعيد بن جبير فقد أخرجه الطبري في تفسيره من طريق شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: "قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر صبرًا: عقبة بن أبي معيط، وطُعَيْمة بن عديّ، والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله، فقال المقداد: أسيري، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اللهم أغن المقداد من فضلك، فقال المقداد: هذا الذي أردت، وفيه أنزلت هذه الآية {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا ... } ¬تفسير الطبري (۱۳/ ٥۰٤) برقم (۱٥۹۷۹) وأبو بشر المذكور في الإسناد هو جعفر بن إياس، ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير. التقريب (۱/ ۱۲۹). وبقية رجال إسناد الطبري كلهم ثقات أيضًا. هذا وقد ورد في بعض كتب التفاسير المطعم بن عدي بدل طعيمة بن عدي، قال ابن كثير: "وهو غلط لأن المطعم بن عديّ لم يكن حيًّا يوم بدر، ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذٍ: لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم سألني في هؤلاء النتنى لوهبتهم له يعني الأسرى؛ لأنَّه كان قد أجار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم رجع من الطائف". تفسير ابن كثير (۲/ ۳۱٦). وانظر الخطأ في: الطبري (۱۳/ ٥۰٤) برقم (۱٥۹۸۰)، النكت والعيون (۲/ ۳۱۳).¥ ". وخلاصة القول: أن الآية لم تنزل عقب قول النضر وأمثاله حتى نقول إنها مكية؛ بل نزولها تأخر إلى غزوة بدر للأسباب السالفة الذكر، من أن الآية تذكّر المؤمنين بما كان من شدة جحود كفار مكة ومواقفهم وتحدياتهم تجاه هذا الدين من ناحية، والآثار إلى سبق ذكرها من ناحية أخرى، والله أعلم. في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} سورة الأنفال الآية (۳۲).. ثبت القول بمكية هذه الآية من أبي المظفر السمعاني، ونظام الدين النيسابوري انظر: تفسير أبي المظفر السمعاني (۱/ ۱٦۹ ق/ ب)، تفسير النيسابوري (۹/ ۱۱۷).، كما روي عن ابن عباس القول بمكية الآية أيضًا انظر: النكت والعيون (۲/ ۲۹۲)، تفسير القرطبي (۷/ ۳٦۰).. مستند القول بمكية هذه الآية: يستند هذا القول إلى ما ورد في الصحيح وغيره من أن هذه الآية نزلت في قول أبي جهل ¬انظر: صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱٥۸) كتاب التفسير، باب {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} الآية، حديث رقم (٤٦٤۸)، وأخرجه أيضًا حديث رقم (٤٦٤۹). قال الحافظ معلقا على هذا الحديث: "ظاهر في أنه القائل ذلك، وإن كان هذا القول نسب إلى جماعة، فعله بدأ به ورضي الباقون فنسب إليهم، وقد روى الطبراني من طريق ابنِ عباس أن القائل ذلك هو النضر بن الحارث قال: فأنزل الله تعالى {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} وكذا قال مجاهد وعطاء والسدي، ولا ينافي ذلك ما في الصحيح لاحتمال أن يكونا قالاه، ولكن نسبته إلى أبي جهل أولى" فتح الباري (۸/ ۱٥۹).¥، كما ورد في بعض الروايات أن القائل بذلك هو النضر بن الحارث أخرجه الطبراني عن ابن عباس كما قال الحافظ ابن حجر، وقد بحثت عنه في المعجم الكبير إذ هو الكتاب الذي اعتنى فيه الإمام الطبراني بذكر روايات أسباب النزول، ومع ذلك لم أعثر عليه، ولعله في القسم المفقود من مسند ابن عباس.. ولا شك أن هذه الأقوال قيلت في العهد المكيّ، إذ إن كلًا من أبي جهل والنضر بن الحارث قد ماتا في بدر، وعليه فالآية مكية -في نظر أصحاب هذا القول-. مناقشة هذا المستند: لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية نزلت في أبي جهل وأمثاله القائلين بمثل هذا القول، ففي الصحيح روى البخاري بسنده عن عبد الحميد بن كرديد -صاحب الزِّياديّ- سمع أنس بن مالك -رضي الله عنه- "قال أبو جهل {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} فنزلت {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (۳۳) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} " الآية صحيح البخاري مع الفتح (۸/ ۱٥۸) كتاب التفسير، باب {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} حديث رقم (٤٦٤۸).. ولكن الخلاف وقع في تحديد وقت نزول هذه الآية، هل كان نزولها عقب هذا القول فتكون مكية؟ أم أن نزولها تأخر إلى غزوة بدر لمناسبة هزيمة قريش وتذكير الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما كانوا عليه من مكابرة في الحق وجدال في الباطل؟ وأرى أن الرأي الثاني هو الراجح، وذلك للأسباب التالية: أولًا: القول بأن سورة الأنفال كلها مدنية هو قول جمهور المفسرين، قال ابن عطية: "هي مدنية كلها، كذا قال أكثر الناس" المحرر الوجيز (۸/ ۳). وقال صديق حسن خان: "صرح كثير من المفسرين بأنها مدنية لم يستثنوا منها شيئًا، وبه قال الحسن وعكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء، وعبد الله بن الزبير، وزيد بن ثابت" فتح البيان (٤/ ۳).. ثانياً: أن لفظ "إذ" في قوله {وَإِذْ قَالُوا} لدليل على أن الآية تحكى حال قريش قبل الهجرة، إذ التقدير في الآية: واذكر إذ قالوا. قال ابن هشام النحوي ¬هو الإمام أبو محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن هشام الأنصاريّ صاحب أوضح المساللك، وشذور الذهب، توفي -رحمه الله- سنة (۷٦۱ هـ). ترجمته: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة (۲/ ٦۸ - ۷۰)، الدرر الكامنة (۲/ ٤۱٥ - ٤۱۷).¥: "والغالب على المذكورة في أوائل القصص في التنزيل أن تكون مفعولاً به بتقدير "أذكر"" مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب (۱/ ۸۰) وانظر بالتفصيل المعاني التي "إذ" في العربية: مغنى اللبيب (۱/ ۸۰ - ۸٦).. ثالثاً: لا يلزم من وقوع حادثة في مكة أن تكون الآيات التي نزلت بها كذلك؛ إذ الحادثة قد تقع في مكة وتذكر آياتها بالمدينة لمناسبة ما. قال صديق حسن خان معقباً على ما حكاه القرطبي عن ابن عباس من استثناء الآيات السبع قال: "قلت وإن كان في شأن الواقعة التي وقعت بمكة فلا يلزم أن تكون كذلك، فالآيات نزلت بالمدينة تذكيراً له بما وقع في مكة، فهذا القول -أي الاستثناء- ضعيف، والأول -أي مدنية الكل- هو الأصح" فتح البيان (۳۱٤).. ويقول الأستاذ محمد شعباني في تعليقه على كتاب "البرهان في ترتيب سور القرآن" لآبي جعفر بن الزبير الغرناطي: "وإذا تخللت السورة بعض آيات عن حال كفار مكة ومكرهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن ذلك لا يقتضي نزولها في مكة، بل ورود مثل هذه الآيات تأتي لمناسبة معينة " ¬البرهان في ترتيب سور القرآن (ص: ۲۱٥) هامش رقم (۱٦٦). (تنبيه): هوامش تعليقات الكتاب متسلسلة بأرقام متتابعة من أول الكتاب إلى نهايته.¥. وخلاصة القول: أن القول بمكية هذه الآية قول يفتقد الدليل، فكل ما يعتمد عليه يبدو أنه استنباط من معنى الآية، وهو استنباط يعوزه الدليل في رأيي، إذ وصف الآية لحال قريش في الماضي لا يعني نزولها حينذاك. في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (۳۳) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} سورة الأنفال الآيتان (۳۳ - ۳٤).. تعددت أقوال العلماء في هاتين الآيتين إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الجمهور أن سورة الأنفال كلها مدنية، وبناءً على هذا فإن استثناء هاتين الآيتين لا يصح عند الجمهور. القول الثاني: وذهب أبو القاسم النيسابوريّ وأبو المظفر السمعاني، ونظام الدين النيسابوريّ، وأبو حيان، إضافة إلى قول ابن عباس أن الآيتين مكيتان انظر: التنزيل وترتيبه لأبي القاسم النيسابوري (۲۲۷ ق / أ) تفسير أبى المظفر السمعاني (۱/ ۱٦۹ ق /ب) تفسير النيسابوريّ (۹/ ۱۱۷) البحر المحيط (٥/ ۳۱۱) وانظر قول ابن عباس في: النكت والعيون (۲/ ۲۹۲) وتفسير القرطبي (۷/ ۳۰٦).. القول الثالث: إن الجملة الأولى في الآيتين وهي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِم ...... } نزلت بمكة، والجملة الثانية: {وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} نزلت بعدما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وقوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .... } الآية، نزل بعد بدر. وإليه ذهب ابن أَبْزَى هو سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى -بمفتوحة فساكنة وبفتح زاي وبقصر- الخزاعيّ -مولاهم الكوفي، ثقة. انظر ضبط اسمه: المغني في ضبط أسماء الرحال للفتني (ص:۱٦)، وانظر ترجمته: السير (٤/ ٤۸۱)، تهذيب التهذيب (۲/ ۳۱۸). كما أخرج عنه الطبري في تفسيره ¬انظر تفسير الطبري (۱۳/ ٥۰۹) برقم (۱٥۹۹۰) وفي إسناده ابن حميد وهو محمد بن حميد بن حيان أبو عبد الله الرازي وهو ضعيف. التقريب (۲/ ۱٥٦). وفيه يعقوب القمي وجعفر بن أبي المغيرة وكلاهما صدوق يهم. ولا متابع لهما فالإسناد ضعيف.¥، والذي يعنينا من هذه الأقوال هو قول ابن أبزى ومناقشته، أما القول بمكية الآيتين فلعلّ ما ذكرته في نظائرها فيه كفاية. مناقشة قول ابن أبزى: وفضلاً أن رواية ابن أبزى إسنادها ضعيف، فهي تبدو أيضاً أنها لون من التفسير للآيتين، ولتتضح الصورة نسوق هنا نص الرواية كما أوردها الطبري في تفسيره من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبزى قالا: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة، فأنزل الله عليه {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} قال: فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال: فكان أولئك البقية من المسلمين الذين بقوا فيها يستغفرون -يعني مكة- فلما خرجوا أنزل الله عليه {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} قال: فأذن الله لهَ في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم" تفسير الطبري (۱۳/ ٥۰۹) برقم (۱٥۹۹۰).. ولعل مراد ابن أبزى من هذا الباب -أعني باب التفسير- وليس مراده أن جزءاً من الآيتين نزل في مكة، والبقية نزلت في المدينة، فهذا أمر لا يسعفه الدليل، فالآيتان مدنيتان أنزلتا للتذكير بماضي المشركين مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وموقفهم من حيال دعوته. ومما يضعف قول ابن أبزى أن الآيتين مرتبطان ارتباطاً قوياً بما قبلهما، ويتضح ذلك من خلال رواية الصحيح السابقة في نزول قوله تعالى {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} الآية، ومن خلال سياق الآيات أيضاً. وقد يقول قائل: كيف نجمع بين ما ورد في الصحيح من أن قوله تعالى {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} إلى آخر الآيتين نزل بمناسبة قول أبي جهل -لعنه الله- فقد قال تَعالى حاكياً عن قوله: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، وبين ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلاهما من طريق أبي حذيفة عن عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس واللفظ للطبري قال: "إن المشركين كانوا يطوفون بالبيت يقولون: لبيك لا شريك لك لبيك، فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قد، فيقولون: لا شريك لك إلّا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك، فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} " تفسير الطبري (۱۳/ ٥۱۱ - ٥۱۲) برقم (۱٦۰۰۰) وتفسير ابن أبي حاتم، سورة الأنفال، (برقم ۳۱٤) والأثر صحيح وجزء منه له شاهد عند مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها، (۲/ ۸٤۳) برقم (۱۱۸٥).. قلت: هذا من باب تعدد الأسباب، ولا مانع أن تنزل الآية في هذا وذاك إذ كلتا الروايتين صحيحتان. في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} سورة الأنفال، الآية (۳٥).. ذهب إلى القول بمكية هذه الآية أبو المظفر السمعاني انظر: تفسير أبي المظفر السمعاني (۱/ ٦۹ اق / ب).، ونظام الدين النيسابوري انظر: تفسير النيسابوري (۹/ ۱۱۷).، وهو قول مروي عن ابن عباس. ولعلنا لا نأتي بشيء جديد فيما يتعلق بمستند هذا القول ومناقشته، ففيما سبق في نظائرها غنية وكفاية. ورحم الله الإمام البغوي فقد قال مشيراً إلى دعوى استثناء الآيات السبع: "والأصح أنها نزلت بالمدينة، وإن كانت الواقعة بمكة" معالم التنزيل (۳/ ۳۲۳).. في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} سورة الأنفال، الآية (۳٦).. هذه الآية هي آخر الآيات السبع التي قيل إنهن مستثناة من مدنية السورة في قول ابن عباس انظر: النكت والعيون (۲/ ۲۹۲)، تفسير القرطبي (۷/ ۳٦۰).، وثبت القول بمكية هذه الآية أيضاً من أبي المظفر السمعاني، ونظام الدين النيسابوري، فهما يريان أيضاً استثناء الآيات السبع اعتماداً على ما روي عن ابن عباس في ذلك انظر: تفسير أبي المظفر السمعاني (۱/ ۱٦۹ ق /ب)، تفسير النيسابوري (۹/ ۱۱۷).. ولا أدري كيف استساغ القائلون بمكية هذه الآية القول بذلك رغم ورود آثار عديدة بنزول الآية عقب غزوة بدر. فقد أخرج الطبري في تفسيره من طريق سلمة عن ابن إسحاق قالا: ثنا محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن وعمرو بن سعد بن معاذ قالوا: "لما أصابت ¬هكذا في الطبري، ولعل الصواب "لما أصاب" بالتذكير؛ لأن الفاعل هنا جمع المذكر السالم، فلا تتصل به تاء التأنيث، قال ابن مالك في الألفية: وتاء تأنيث تلي الماضي إذا ... كان لأنثى كأبت هند الأذى وإنما تلزم فعل مضمر ... متصل أو مفهم ذات حر ألفية ابن مالك في النحو والصرف (ص ۳۲). وعند ابن أبي حاتم "لما أصيب أصحاب بدر" بالبناء للمجهول.¥ المسلمون يوم بدر من كفار قريش من أصحاب القليب ورجع فُلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كان له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم ¬الوتَر: هو النقص، يقال: وَتَره يتره ترة إذا نقصه. انظر: النهاية في غريب الحديث (٥/ ۱٤۹).¥، وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منَّا، ففعلوا قال: ففيهم كما ذكر عن ابن عباس أنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} إلى قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} تفسير الطبري (۱۳/ ٥۳۲ - ٥۳۳) برقم (۱٦۰٦۳)، وإسناده حسن فقد صرح ابن إسحاق بالسماع، والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بنحوه، سورة الأنفال (برقم ۳۷۱)، والبيهقي بنحوه أيضاً في دلائل النبوة (۳/ ۲۲٤ - ۲۲٥).. وأخرج الطبري أيضاً آثارًا أخرى مفادها أن الآية نزلت في أبي سفيان وإنفاقه الأموال في أحد لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انظر الآثار التي أخرجها الطبري عن سعيد بن جبير وابن أبزى ومجاهد والحكم بن عتيبة (۱۳/ ٥۳۰ - ٥۳۲) برقم (۱٦۰٦٥، ۱٦۰٥۸، ۱٦۰٦۱).. وأياً كان السبب فإن نزول الآية بعد غزوة بدر واضح من أسباب النزول التي ذكرت للآية. قال الطبري -رحمه الله- في الجمع بين السببين: "والصواب من القول في ذلك عندي ما قلنا، وهو أن يقال: إن الله أخبر عن الذين كفروا به من مشركي قريش أنهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، لم يخبرنا بأي أولئك عني، غير أنه عمَّ بالخبر الذين كفروا، وجائز أن يكون عنى المنفقين أموالهم لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بأحد، وجائز أن يكون عنى المنفقين منهم ذلك ببدر، وجائز أن يكون عنى الفريقين، وإذا كان ذلك كذلك، فالصواب في ذلك أن يعمَّ كما عمَّ جلَّ ثناؤه الذين كفروا من قريش" تفسير الطبري (۱۳/ ٥۳٤).. وبنحو هذا قال ابن كثير في تفسيره، فإنه بعد أن ذكر السببين قال: "وعلى كل تقدير فهي عامة وإن كان سبب نزولها خاصاً" تفسر ابن كثير (۲/ ۳۲۰).. في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} سورة الأنفال، الآية (٦٤).. ورد القول بمكية هذه الآية عن ابن العربي، إذ يقول بعد انتقاده دعوى مكية قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} الآية انظر نقد ابن العربي دعوى مكية الآيتين (ص ٥٤٥). قال: "وإنما الذي نزل بمكة في الصحيح قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} " الناسخ والمنسوخ لابن العربي (۲/ ۲۲٤).. مستند ابن العربي في مكية هذه الآية: ولعل الذي دفع ابن العربي إلى تصحيح مكية الآية هو ما روي في بعض الآثار من أنها نزلت في إسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقد أخرج البزار في مسنده قال: حدثنا عبد الرحمن بن الفضل بن الموفق الكوفيّ ثنا الحماني أبو يحيى ثنا النضر أبو عمر عن عكرمة عن ابن عباس، قال: "لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم منا، وأنزل الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} " ¬كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة للهيثمي (۳/ ۱۷۲) برقم (۲٤۹٥)، قال البزار في الحكم على هذا الإسناد: "لا نعلمه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، والنضر متروك". كشف الأستار (۳/ ۱۷۲). وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز متروك". التقريب (۲/ ۳۰۲). والأثر أخرجه الطبراني في الكبير مختصراً (۱۱/ ٥۲٥) برقم (۱۱٦٥۹)، وبنحوه (۱۲/ ٦۰) برقم (۱۲٤۷۰).¥. وعند الطبراني من طريق إسحاق بن بشير الكاهلي عن خلف بن خليفة عن أبي هاشم الرماني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "أسلم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تسعة وثلاثون رجلاً وامرأة، وأسلم عمر تمام الأربعين، فأنزل الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} " المعجم الكبير (۱۲/ ٦۰) برقم (۱۲٤۷۰)، قال الهيثمي في المجمع (۷/ ۳۱): "رواه الطبراني، وفيه إسحاق بن بشير الكاهلي وهو كذاب ".. مناقشة هذا المستند: مناقشة هذا القول بأن الروايات التي استند إليها ضعيفة، وفضلاً عن ذلك فإن جعل الآية نزلت في إسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يصح، وذلك لما يلي: أولا: الثابت في كتب السيرة أن عدد المؤمنين المهاجرين إلى أرض الحبشة ثلاثة وثمانون رجلاً سوى النساء والأبناء ¬انظر: السيرة وأخبار الخلفاء لابن حبان (ص ۷۲ - ۷۷)، الدرر لابن عبد البر (ص ٥۰ - ٥٤). قال الحافظ في الفتح: "إن إسلام عمر كان بعد المبعث بست أو بسبع سنين". فتح الباري (۷/ ۲۱٦). قلت: والراجح أنه كان في سنة ست. انظر: صحيح السبرة النبوية للطرهوني (۲/ ۱٤۲). وأما الهجرة إلى الحبشة فقد كانت في رجب من السنة الخامسة للبعثة. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (۱/ ۲۰٤)، الفتح (۷/ ۲۲۷)، المواهب اللدنية للقسطلاني (۱۲/ ۲٤۰).¥، وإسلام عمر كان بعد هجرة الحبشة، فكيف يكون تمام الأربعين؟!. قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- بعد أن ذكر قول ابن إسحاق في أن إسلام عمر كان بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحبشة قال: "قلت -ابن كثير-: هذا يردُّ قول من زعم أنه كان تمام الأربعين من المسلمين، فإن المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين، اللهم إلا أن يقال إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين" ¬البداية والنهاية (۳/ ۷۷)، وقد أفرد الحافظ ابن كثير -رحمه الله- ما روى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما ورد عنه من أثار بكتاب مستقل سمَّاه: "مسند الفاروق أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأقواله على أبواب العلم"، والكتاب مطبوع بتحقيق الدكتور عبد المعطي قلعجي، وحققه أيضاً لنيل درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى الدكتور مطر بن أحمد الزهراني. كما أفرد ابن كثير -رحمه الله- في سيرة عمر - رضي الله عنه - كتاباً خاصاً، ولا زال مفقوداً.¥. وقال الحافظ ابن كثير أيضاً في نقده دعوى مكية هذه الآية: "وقد روى عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر بن الخطاب، وكمل به الأربعون، وفي هذا نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى الحبشة، وقبل الهجرة إلى المدينة " ¬تفسير ابن كثير (۲/ ۳۳۷)، وأخرج مرسلَ سعيد بن المسيب أبو الشيخ كما في الدر المنثور (٤/ ۱۰۱)، وأما مرسل سعيد بن جبير فقد أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره. انظر: تفسير ابن أبي حاتم، سورة الأنفال برقم (٦۲۳)، وفي إسناده يعقوب القمي صدوق يهم. انظر: التقريب (۲/ ۳۷٦)، وكذلك جعفر بن أبي المغيرة صدوق يهم. انظر التقريب (۱/ ۱۳۳).¥. ثانياً: لو سلَّمنا نزول الآية في إسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لكان هذا السبب يوحي بأن معنى الآية: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين كأمثال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وهذا التفسير وإن جاز نحوياً إلا أنه ليس بجائز كتفسير معتمد للآية، وكما هو مقرر في القواعد التفسيرية واللغوية أن المعنى الشرعي والإعراب إذا تجاذبا النص فالمعول عليه هو المعنى الشرعي ¬انظر هذه القاعدة التفسيرية اللغوية في: الخصائص لابن جني (۱/ ۳۸٤)، الإتقان (۱/ ٥۸٤). وانظر كذلك الفرق بين تفسير الإعراب وتفسير المعنى: الإتقان (۱/ ٥۸٤).¥. قال القرطبي -رحمه الله- مبيناً خطورة الاعتماد على القواعد الإعرابية فحسب: "أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة ... فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسَّر القرآن بالرأي، والنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولاً ليتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتم الفهم والاستنباط" مقدمة تفسير القرطبي (۱/ ۳٤).. ولابن القيم -رحمه الله- كلام نفيس في هذا المقام حيث يقول: "وينبغي أن يتفطن هاهنا لأمر لا بد منه، وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله عز وجل ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام، ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا المقام غلط به أكثر المعربين للقرآن؛ فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ... بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيره، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه" التفسير القيم لابن القيم (ص ۲٦۸) جمعه محمد أويس الندوي.. وقد أطال ابن القيم -رحمه الله- في الردّ على القائلين بأن "من" في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} معطوفة على لفظ الجلالة، ويمنعون عطفها على الكاف المجرورة في قوله: "حسبك" بدعوى أنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، وهو مذهب البصريين ¬انظر مذهب البصريين في هذه المسألة: البحر المحيط لأبي حيان (۳٤۸/ ٥)، الدر المصون (٥/ ٦۳۱ - ٦۳٤). وللتوسع انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين لابن الأنباري (۲/ ٤٦۳ - ٤۷٤). ويبدو -والله أعلم- أن مذهب الكوفيين هو الراجح في هذه المسألة، فقد جاء في التنزيل: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} بالخفض، وهي قراءة حمزة، قال الشاطبي -رحمه الله- في حرز الأماني: .................. وحمزة والأرحام بالخفض جملا متن الشاطبية المسمى "حرز الأماني ووجه التهاني" (ص ٤۷). فالواجب أن تكون القواعد النحوية خاضعة للقرآن الكريم، لا أن يكون القرآن الكريم خاضعاً لها. هذا وقد رجح ابن مالك في هذه المسألة رأي الكوفيين فقال في الألفية: وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازماً قد جعلا وليس عندي لازماً إذ قد أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتا ألفية ابن مالك في النحو والصرف (ص ٤۸).¥، فقال ما ملخصه: "أي الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا يحتاجون معه إلى أحد، وها هنا تقديران: أحدهما: أن تكون الواو عاطفة "من" على الكاف المجرورة، ويجوز العطف على الضمير بدون إعادة الجار على المذهب المختار، وشواهده كثيرة، وشبه المنع منه واهية. والثانى: أن تكون الواو واو المعية، وتكون "من" في محل نصب عطفاً على الموضع، فإن حسبك في معنى كافيك، أي الله يكفيك ويكفي من اتبعك" زاد المعاد في هدي خير العباد (۱/ ۳٥ - ۳٦)، وانظر أيضاً: التفسير القيم لابن القيم (ص ۲۹۲).. ويمضي ابن القيم -رحمه الله- في رده على القائلين بعطف "من" على لفظ الجلالة فيقول: "وهذا وإن قال به بعض الناس فهو خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} ففرق بين الحسَب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وَجعَل التأييد له بنصره وبعباده" زاد المعاد (۱/ ۳٦)، وانظر: التفسير القيم لابن القيم (ص ۲۹۲)، وتابع بقية الرد فقد ذكر -رحمه الله- ما تحسن مطالعته والوقوف عليه.. وبعد أن فنَّدنا التفسير القائل: إن الآية نزلت في إسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من جهة السند والمتن ثمة سؤال جدير بالإجابة، وهو: ما هو التفسير الصحيح لهذه الآية؟ والجواب: أن التفسير الصحيح لهذه الآية نقله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فقال: "وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي هو وحده حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، هذا هو قول الصواب الذي قاله جمهور السلف والخلف" مجموع الفتاوى (۱/ ۲۹۳).. ويؤيد المعنى الذي نقله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ما أخرجه الطبري -رحمه الله- في تفسيره من طريق سفيان الثوري عن شوذب أبي معاذ عن الشعبي، قال: في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} قال: "حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله" ¬تفسير الطبري (۱٤/ ٤۹) برقم (۱٦۲٦٥)، ورجاله ثقات غير شوذب أبي معاذ فقد سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم. انظر: التاريخ الكبير (۱٤/ ۲٦۱)، الجرح والتعديل (٤/ ۳۷۸).¥. هذا وقد روي عن ابن عباس أيضاً أن الآية نزلت في الأوس والخزرج انظر: المحرر الوجيز (۸/ ۱۰٦).، وهو قول مردود كسابقه لما يستلزم عليه من فساد معنى الآية. كما ذكر بعض المفسرين أن الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، وبعد البحث لم أجد رواية صحيحة تنص على ذلك، فغاية ما في الأمر أن معنى الآية يوحي التمهيد لأمر المؤمنين بالقتال والتوكل على الله تبارك وتعالى، والله أعلم ¬انظر: الحرر الوجيز (۸/ ۱۰٦)، فتح البيان (٤/ ٦٤)، التحرير والتنوير (۱۰/ ٦٦). وهذا القول مرويّ عن النقاش -صاحب شفاء الصدور- وهو مجمع على ضعفه، فقد نقل الذهبي -رحمه الله- في السير قول أبي بكر البرقاني قال: "كل حديث النقاش منكر". السير (۱٥/ ٥۷٥).¥.