تَفْسِيرُ القُرآنِ العَظِيم، للإمَام ابن كثير.
حقّقَهُ وخرَّج أحَاديثَهُ وعَلّق عَليه: أبُو إسحَاق الحويني، اختَصَرَهُ: أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين، أشَرَف عَلَى طَبعِهِ : سعد بن فواز الصميل، دار ابن الجوزي - السعودية.
يخبر تعالى عن قدرته على كل شيء، وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن مُحرِز، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اقبلوا البشرى يا بني تميم" قالوا: قد بشرتنا، فأعطنا، قال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن" قالوا: قد قبلنا. فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: "كان الله قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء" قال: فأتاني آتٍ فقال: يا عمران انحلّت ناقتك من عقالها، قال: فخرجت في إثرها فلا أدري ما كان بعدي أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ۳۳/ ۱۰۸ ح ۱۹۸۷٦) وصحح سنده محققوه.. وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة، فمنها قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر، فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله أخرجه البخاري من حديث عمران بن الحصين - رضي الله عنه - (الصحيح، التوحيد، باب {عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}[هود: ۷] وهو رب العرش العظيم ح ۷٤۱۸). - وفي رواية: "غيره"صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. . .}[الروم: ۲۷](ح ۳۱۹۱)، وفي رواية: معه هذه الرواية مقحمة غير صحيحة نبه عليها الحافظ ابن حجر فقال: وقع في بعض الكتب في هذا الحديث: "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن ما عليه كان" وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين بن تيمية (فتح الباري ٦/ ۲۸۹). - وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض". وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" صحيح مسلم، القدر، باب حِجاج آدم وموسى - عليهما السلام - (ح ۲٦٥۳).. وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "قال الله - عز وجل -: أَنفق أُنفق عليك" وقال: "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار" وقال: "أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع"صحيح البخاري، التفسير، باب {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}[هود: ۷](ح ٤٦۸٤).. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدُس، عن عمه أبي رزين واسمه: لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك"أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ۲٦/ ۱۰۸ ح ۱٦۱۸۸) وضعفه محققوه لجهالة وكيع بن عُدُس.. وقد رواه الترمذي في التفسير وابن ماجه في السنن من حديث يزيد بن هارون به وقال: الترمذي: هذا حديث حسن سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة هود (ح ۳۱۰۸)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح ۱۸۲) وحكمه كسابقه.. وقال مجاهد: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} قبل أن يخلق شيئًا أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.، وكذا قال وهب بن منبه وضمرة وقتادة [وابن جريج]كذا في تفسير الطبري وفي الأصل: "ابن جرير". وغير واحد قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.. وقال قتادة في قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}: ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.. وقال الربيع بن أنس: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} فلما خلق السماوات والأرض قسم ذلك الماء قسمين: فجعل نصفًا تحت العرش وهو: البحر المسجور أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع به وسنده مرسل، لأن مثل هذا لا يؤخذ إلا من الوحي.. وقال ابن عباس: إنما سمي العرش عرشًا لارتفاعه أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس.. وقال إسماعيل بن أبي خالد: سمعت سعدًا الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل به، وسنده مرسل لأن مثل هذا من الأمور الغيبية التي لا تؤخذ إلا من الوحي.. وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}: فكان كما وصف نفسه تعالى إذ ليس إلا الماء وعليه العرش، وعلى العرش ذو الجلال والإكرام، والعزة والسلطان، والملك والقدرة، والحلم والعلم، والرحمة والنعمة الفعال لما يريده أخرجه ابن أبي حاتم بسنده حسن عن ابن إسحاق.. وقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قول الله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الأعمش به.. وقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} أي: خلق السماوات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ولم يخلق ذلك عبثًا كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (۲۷)} [ص] وقال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (۱۱٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (۱۱٦)} [المؤمنون] وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)} الآية [الذاريات]. وقوله: {لِيَبْلُوَكُمْ} أي: ليختبركم {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ولم يقل: أكثر عملًا، بل أحسن عملًا، ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله - عز وجل - على شريعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمتى فقد العمل واحدًا من هذين الشرطين حبط وبطل. وقوله: {وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} يقول تعالى: ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}[الزخرف: ۸۷] {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦۱)} [العنكبوت] وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}[الروم: ۲۷] وقال تعالى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}[لقمان: ۲۸]. وقولهم: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} أي: يقولون كفرًا وعنادًا: ما نصدقك على وقوع البعث، وما يذكر ذلك إلا من سحرته فهو يتبعك على ما تقول.